العربیه| چهارشنبه|30 خرداد 1397|06 شوال 1439
فارسی|06 شوال 1439 هجري قمري|20 June 2018 ميلادي

حديث لانورث ما تركنا صدقه / سيدجاسم الموسوي

 
 
حديث
لا نورث ما تركنا صدقة
سيد جاسم الموسوي
 
أهمية البحث وضرورته
تعدّ السنّة النبوية الدعامة الثانية بعد القرآن الكريم لأحكام الدين والتعاليم الإسلامية، وقد نصّت العديد من الآيات الكريمة على أهمية الحديث النبوي وأنّه كالوحي من حيث الحجّية ووجوب الانقياد له والأخذ به، قال تعالى: (وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا)([1])
وقد وردت أحاديث متواترة عن الرسول الأكرم(صلي الله عليه و آله و سلم) وأئمة أهل البيت: تؤكد أهمية الحديث النبوي، وأنّ الرسول الأكرم(صلي الله عليه و آله و سلم) قد بيّن جميع الأحكام الدينية وجزئياتها من الحلال والحرام.([2])
لكن الاحتجاج بالحديث يتمّ بعد الفراغ منه على مستوى الصدور والدلالة، ولذا دعت الضـرورة علماء المسلمين إلى تنقيح التراث النبوي بشكلٍ دقيقٍ، وقد وقع الخلاف بينهم في ذلك لاختل المباني والقواعد التي دونها لإحراز صحة الصدور وجواز الاحتجاج، ومن جملة الأحاديث المهمة التي وقع فيها الخلاف هو حديث (لا نورث) الذي رواه أبو بكر عن رسول الله (صلي الله عليه و آل و سلم) واستدلّ به على عدم إرث الرسول الاكرم (صلي الله عليه و آل و سلم)، ومن هنا نرى من الضـروري بيان حقيقة هذا الحديث على مستوى الصدور والدلالة.
 
فوائد البحث وآثاره
 الفائدة التي نتوخاها من وراء هذا البحث هو إثبات عدم صحة الاستدلال بحديث (لا نورث) على عدم إرث النبي الكريم (صلي الله عليه و آل و سلم)؛ لعدم الفراغ منه على مستوى الصدور والدلالة بالرغم من أنّه من جملة الأحاديث التي اتفق عليها البخاري ومسلم، لاتفاق علماء السنة على طرح أحاديثهما التي تخالف الثوابت.
 
الإرث في اللغة والاصطلاح
الإرث في اللغة هو انتقال الشّـيء من شخص إلى شخص آخر، أو من قوم إلى قوم، ويستعمل على نحو الحقيقة في انتقال المال، وعلى نحو المجاز في غيره، قال الجوهري: الميراث أصله موراث، انقلبت الواو ياء لكسرة ما قبلها، والتّراث أصل التاء فيه واو، تقول: ورثت أبى... وورَّثه توريثا، أي أدخله في ماله على ورثته([3]).
 
 
واستعمل في القرآن الكريم بكلا المعنيين كما في قوله تعالى: (وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ)([4])، وقوله تعالى: (يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آَلِ يَعْقُوبَ)([5]
 
 
 
فقد صرّح بعض مفسـري السنّة باستعمال (يرثني) و(ورث) في الآيتين المتقدّمتين بالمعنى المجازي، قال القرطبي عن ابن عطية: الأظهر الأليق بزكريا (عليه السلام) أن يريد وراثة العلم والدين، فتكون الوراثة مستعارة([6]). وبمثله قال الثعالبي([7])، إذن، استعمال الإرث في غير المال من المجاز.
وقال الشّوكاني في بيان قوله تعالى: (وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ): أي ورثه العلم والنّبوة، قال قتادة والكلبي: كان لداوود تسعة عشـر ولداً ذكراً، فورث سليمان من بينهم نبوّته... وكذا قال جمهور المفسرين، فهذه الوراثة هي وراثة مجازية كما في قوله (صلى الله عليه وسلم): «العلماء ورثة الأنبياء»([8]).
وقال ابن عاشور في تفسيره للآية المتقدِّمة: فالإرث هنا مستعمل في معناه المجازي، وهو تشبيه الأحوال الجليلة بالمال، وتشبيه الخلفة بانتقال ملك الأموال([9]).
وذهب بعضهم إلى أنّ الإرث مستعمل في الأعمّ من المال، وأنّه حقيقة مشتركة بين عدّة معان، منها المال والحبورة([10]) والعلم والنّبوة والسّيرة الحسنة وغيرها، كما يظهر ذلك من كلام الرّازي، فبعد أن ذكر الخلاف في المراد من ميراث الأنبياء:، والوجوه المذكورة فيه، قال: إعلم أنّ هذه الرّوايات ترجع إلى أحد أمور خمسة وهي المال ومنصب الحبورة والعلم والنّبوة والسّيرة الحسنة، ولفظ الإرث مستعمل في كلّها([11]).
 
 
 
لكن الاستعمال أعم من الحقيقة والمجاز، ولا خلاف في جواز استعمال الإرث في غير المال مجازاً، إلا أنّ الكلام في أصل الوضع، وقد أطبق اللغويين على أنّ الإرث حقيقة في المال.
نعم، اضطر بعض المتأخرين ممّن لا يُعبأ به في اللغة إلى ادّعاء أنّ الإرث حقيقة مشتركة بين المال وغيره([12]).
 
طرق الحديث في مصادر السنة
يعد حديث (لا نورّث) من الأحاديث المتّفق عليها عند السنّة، حيث أخرجه كبار حفّاظهم ومحدّثيهم في أصحّ كتبهم، وقد أفرد له البخاري باباً خاصاً من صحيحه ذكر فيه أربعة أحاديث أخرجها بسنده إلى عائشة وعمر وأبي هريرة([13])، وكذا مسلم في صحيحه([14])، وأصحاب السنن والمسانيد، وإليك إشارة لطرقة:
1 ـ حديث أبي بكر بن أبي قحافة
أخرج البخاري في صحيحه عن عبد العزيز بن عبد الله، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن صالح، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عروة بن الزبير، أنّ عائشة أم المؤمنين أخبرته: إنّ فاطمة (عليها السلام) ابنة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) سألت أبا بكر الصديق بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أن يقسم لها ميراثها ما ترك رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ممّا أفاء الله عليه، فقال أبو بكر: إنّ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: «لا نورث ما تركنا صدقة»، فغضبت فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فهجرت أبا بكر فلم تزل مهاجرته حتّى توفّيت، وعاشت بعد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ستّة أشهر، قالت: وكانت فاطمة تسأل أبا بكر نصيبها مما ترك رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من خيبر وفدك وصدقته بالمدينة، فأبى أبو بكر عليها ذلك، وقال: لست تاركاً شيئاً كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يعمل به إلا عملت به، فإنّي أخشى إن تركت شيئاً من أمره أن أزيغ، فأمّا صدقته بالمدينة فدفعها عمر إلى عليٍّ وعباس، وأمّا خيبر وفدك فأمسكها عمر، وقال: هما صدقة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كانتا لحقوقه التي تعروه ونوائبه وأمرهما إلى من ولي الأمر، قال: فهما على ذلك إلى اليوم([15]).
وأخرجه مسلم في صحيحه عن ابن نمير، حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا أبي، عن صالح، عن ابن شهاب، أخبرني عروة بن الزبير، أنّ عائشة زوج النبي (صلى الله عليه وسلم) أخبرته، نحوه([16]).
وأخرجه في صحيحه عن زهير بن حرب والحسن بن عليّ الحلواني، قالا: حدثنا يعقوب (وهو ابن إبراهيم)، حدثنا أبي، عن صالح، عن ابن شهاب، أخبرني عروة بن الزبير، أنّ عائشة زوج النبي (صلى الله عليه وسلم) أخبرته، نحوه([17]).
وأخرج البخاري في صحيحه عن أبي اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري، قال: حدثني عروة بن الزبير، عن عائشة: أنّ فاطمة (عليها السلام) أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من النبي (صلى الله عليه وسلم) مما أفاء الله على رسوله (صلى الله عليه وسلم) تطلب صدقة النبي (صلى الله عليه وسلم) التي بالمدينة وفدك وما بقي من خمس خيبر، فقال أبو بكر: إنّ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: «لا نورث ما تركنا فهو صدقة، إنّما يأكل آل محمد من هذا المال ـ يعني مال الله ـ ليس لهم أن يزيدوا على المأكل»، وإنّي والله لا أغيّر شيئاً من صدقات النبي (صلى الله عليه وسلم) التي كانت عليها في عهد النبي (صلي الله عليه وسلم)، ولأعملنّ فيها بما عمل فيها رسول الله (صلي الله عليه وسلم)...»([18]).
وأخرج في صحيحه أيضاً عن يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة: أنّ فاطمة (عليها السلام) بنت النبي (صلى الله عليه وسلم) أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مما أفاء الله عليه بالمدينة وفدك وما بقي من خمس خيبر، فقال أبو بكر: إنّ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: «لا نورّث ما تركنا صدقة، إنّما يأكل آل محمد (صلى الله عليه وسلم) في هذا المال»، وإنّي والله لا أغيّر شيئاً من صدقة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عن حالها التي كانت عليها في عهد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ولأعملنّ فيها بما عمل به رسول الله (صلي الله عليه وسلم)، فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئاً فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك فهجرته فلم تكلمه حتى توفيت، وعاشت بعد النبي (صلى الله عليه وسلم) ستّة أشهر فلمّا توفّيت دفنها زوجها عليٌّ ليلاً ولم يؤذن بها أبا بكر، وصلى عليها وكان لعليٍّ من الناس وجه حياة فاطمة فلمّا توفّيت استنكر علي وجوه الناس فالتمس مصالحة أبي بكر ومبايعته ولم يكن يبايع تلك الأشهر...([19]).
وأخرجه مسلم في صحيحه عن محمد بن رافع، أخبرنا حجين، حدثنا ليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة، أنّها أخبرته نحوه([20]).
وأخرج البخاري في صحيحه عن عبد الله بن محمد، حدثنا هشام، أخبرنا معمّر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة أنّها قالت: «إنّ فاطمة والعباس (عليهما السلام) أتيا أبا بكر يلتمسان ميراثهما من رسول الله (صلي الله عليه وسلم)، وهما حينئذٍ يطلبان أرضيهما من فدك وسهمهما من خيبر، فقال لهما أبو بكر: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: «لا نورّث ما تركنا صدقة، إنّما يأكل آل محمد من هذا المال»، قال أبو بكر: والله لا أدّع أمراً رأيت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يصنعه فيه إلا صنعته قال فهجرته فاطمة فلم تكلمه حتّى ماتت»([21]).
وأخرجه في صحيحه أيضاً عن إبراهيم بن موسى، أخبرنا هشام، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، نحوه باختصار([22]).
وأخرج مسلم في صحيحه عن إسحاق بن إبراهيم ومحمد بن رافع وعبد بن حميد (قال ابن رافع: حدثنا، وقال الآخران: أخبرنا عبدالرزاق)، أخبرنا معمـّر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، نحو حديث عبد الله بن محمد([23]).
2 ـ حديث عمر بن الخطاب
أخرج البخاري في صحيحه عن أبي اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري، قال: أخبرني مالك بن أوس بن الحدثان النضـري: إنّ عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) دعاه إذ جاءه حاجبه يرفا، فقال: هل لك في عثمان وعبد الرحمن والزبير وسعد يستأذنون؟ فقال: نعم، فأدخلهم فلبث قليلاً، ثم جاء فقال: هل لك في عباس وعليّ يستأذنان؟ قال: نعم، فلما دخلا قال عباس: يا أمير المؤمنين اقض بيني وبين هذا، وهما يختصمان في الذي أفاء الله على رسوله (صلى الله عليه وسلم) من بني النضير، فاستبّ عليّ وعباس، فقال الرهط: يا أمير المؤمنين اقضِ بينهما وأرح أحدهما من الآخر، فقال عمر: اتَّئدوا، أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض هل تعلمون أنّ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: «لا نورّث ما تركنا صدقة»، يريد بذلك نفسه؟ قالوا: قد قال ذلك، فأقبل عمر على عباس وعليّ، فقال: أنشدكما بالله هل تعلمان أنّ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قد قال ذلك؟ قالا: نعم، قال: فإنّي أحدثكم عن هذا الأمر إنّ الله سبحانه كان خصّ رسوله (صلى الله عليه وسلم) في هذا الفيء بشـيء لم يعطه أحداً غيره، فقال جلّ ذكره: (وَما أَفاءَ اللهُ عَلي رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ) إلى قوله: (قدير)، فكانت هذه خالصة لرسول الله (صلي الله عليه وسلم)، ثم والله ما أحتازها دونكم ولا أستأثرها عليكم، لقد أعطاكموها وقسّمها فيكم حتّى بقي هذا المال منها، فكان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ينفق على أهله نفقة سنتهم من هذا المال، ثم يأخذ ما بقي فيجعله مجعل مال الله، فعمل ذلك رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حياته، ثم توفَّي النبي (صلي الله عليه وسلم)، فقال أبو بكر: فأنا ولي رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فقبضه أبو بكر فعمل فيه بما عمل به رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وأنتم حينئذٍ، فأقبل على عليّ وعباس وقال: تذكران أنّ أبا بكر فيه كما تقولان والله يعلم أنّه فيه لصادقٌ بارٌّ راشدٌ تابعٌ للحقّ؟ ثمّ توفّى الله أبا بكر فقلت: أنا ولي رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وأبي بكر فقبضته سنتين من إمارتي أعمل فيه بما عمل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وأبو بكر والله يعلم أنّي فيه صادقٌ بارٌّ راشدٌ تابعٌ للحقّ؟ ثم جئتماني كلاكما وكلمتكما واحدةٌ وأمركما جميعٌ، فجئتني ـ يعني عباساً ـ فقلت لكما إنّ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: «لا نورّث ما تركنا صدقة»، فلمّا بدا لي أن أدفعه إليكما قلت: إن شئتما دفعته إليكما على أنّ عليكما عهد الله وميثاقه لتعملان فيه بما عمل فيه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وأبو بكر وما عملتُ فيه مُذ وُليِّت، وإلا فلا تكلّماني، فقلتما ادفعه إلينا بذلك، فدفعته إليكما، أفتلتمسان منّي قضاءً غير ذلك؟! فوالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض لا أقضـي فيه بقضاء غير ذلك حتى تقوم الساعة، فإن عجزتما عنه فادفعاه إليّ فأنا أكفيكماه([24]).
وأخرجه في صحيحه أيضاً عن إسحاق بن محمد الفروي، حدثنا مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن مالك بن أوس بن الحدثان، نحوه([25]).
وأخرجه في صحيحه أيضاً عن سعيد بن عفير، قال: حدثني الليث، قال: حدثني عقيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني مالك بن أوس بن الحدثان، نحوه([26]).
وأخرجه البخاري في صحيحه أيضاً عن يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني مالك بن أوس بن الحدثان، نحوه([27]).
وأخرجه البخاري في صحيحه أيضاً عن عبد الله بن يوسف، حدثنا الليث، حدثني عقيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني مالك بن أوس النصري، نحوه([28]).
وأخرج مسلم في صحيحه عن عبد الله بن محمد بن أسماء الضبعي، حدثنا جويرية، عن مالك، عن الزهري، أنّ مالك بن أوس حدثه، وفيه: فلما توفّي رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال أبو بكر: أنا وليُّ رسول الله (صلي الله عليه وسلم)، فجتئما تطلب ميراثك من ابن أخيك ويطلب هذا ميراث امرأته من أبيها، فقال أبو بكر: قال رسول الله (صلي الله عليه وسلم): «ما نورّث ما تركنا صدقة» فرأيتماه كاذباً آثماً غادراً خائناً، والله يعلم إنّه لصادقٌ بارٌّ راشدٌ تابعٌ للحقّ، ثمّ توفّي أبو بكر وأنا وليّ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وولي أبا بكر، فرأيتماني كاذباً آثماً غادراً خائناً، والله يعلم إنّي بارٌّ راشدٌ تابعٌ للحقّ، فوليتها، ثمّ جئتني أنت وهذا وأنتما جميع وأمركما واحدٌ فقلتما: ادفعها إلينا...([29]).
وأخرجه في صحيحه أيضاً عن إسحاق بن إبراهيم ومحمد بن رافع وعبد بن حميد، (قال ابن رافع حدثنا، وقال الآخران: أخبرنا عبد الرزاق)، أخبرنا معمّر، عن الزهري، عن مالك بن أوس بن الحدثان، قال: أرسل إليّ عمر بن الخطاب، فقال: إنّه قد حضر أهل أبيات من قومك... بنحو حديث عبد الله بن محمد بن أسماء الضبعي غير أنّه فيه: فكان ينفق على أهله منه سنة، وربما قال معمّر: يحبس قوت أهله منه سنة، ثم يجعل ما بقي منه مجعل مال الله عزّ وجلّ([30]).
وأخرجه الترمذي في سننه عن الحسن بن عليّ الخلال، أخبرنا بشر بن عمر، حدثنا مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن مالك بن أوس الحدثان، مختصراً([31]).
وقد حسّن الترمذي سنده وصحّحه الألباني([32]).
وأخرجه النسائي في سننه عن عليّ بن حجر، قال: حدثنا إسماعيل يعني ابن إبراهيم، عن أيوب، عن عكرمة بن خالد، عن مالك بن أوس بن الحدثان، قال: جاء العباس وعليٌّ إلى عمر يختصمان، فقال العباس: اقضِ بيني وبين هذا، فقال الناس: افصل بينهما، فقال عمر: لا أفصل بينهما؛ قد علما أنّ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: «لا نورّث ما تركنا صدقة» ([33]).
وقد صحّح الألباني إسناده([34]).
وأخرجه عبد الله في زوائده على مسند أبيه أحمد بن حنبل، من طريق إسماعيل، حدثنا أيوب، عن عكرمة بن خالد، عن مالك بن أوس بن الحدثان، نحوه([35]).
وقد صحّح شعيب الأرنؤوط إسناده على شرط الشيخين([36]).
3 ـ حديث عائشة
أخرج البخاري في صحيحه عن إسماعيل بن أبان، أخبرنا
ابن المبارك، عن يونس، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، أنّ النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: «لا نورّث ما تركنا صدقة»([37]).
وأخرج في صحيحه أيضاً عن عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة: أنّ أزواج النبي (صلى الله عليه وسلم) حين توفّي رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أردن أن يبعثن عثمان إلى أبي بكر يسألنه ميراثهنّ، فقالت عائشة: أليس قال رسول الله (صلي الله عليه وسلم): «لا نورّث ما تركنا صدقة»([38]).
وأخرجه مسلم في صحيحه عن يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة، أنّها قالت نحوه([39]).
4 ـ حديث أبي هريرة
أخرج مسلم في صحيحه عن ابن أبي خلف، حدثنا زكرياء بن عدي، أخبرنا ابن المبارك، عن يونس، عن الزهري، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي (صلي الله عليه وسلم)، قال: «لا نورّث ما تركنا صدقة»([40]).
وأخرج البخاري في صحيحه عن عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أنّ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: «لا يقتسم ورثتي ديناراً، ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤونة عاملي فهو صدقة»([41]).
وأخرجه في صحيحه أيضاً عن إسماعيل، قال: حدثني مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أنّ رسول الله (صلي الله عليه وسلم)، قال نحوه([42]).
وأخرجه مسلم في صحيحه عن يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أنّ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال نحوه([43]).
وأخرجه في صحيحه أيضاً عن محمد بن يحيى بن أبي عمر المكي، حدثنا سفيان، عن أبي الزناد، بهذا الإسناد نحوه([44]).
وأخرج الترمذي في سننه عن محمد بن المثنى، حدثنا أبو الوليد، حدثنا حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو،
عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: جاءت فاطمة إلى أبي بكر، فقالت: من يرثك؟ قال: أهلي وولدي، قالت: فما لي لا أرث
أبي؟ فقال أبو بكر: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: «لا نورّث»، ولكنّي أعول من كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يعوله، وأنفق على من كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ينفق عليه
([45]).
وقد حسّن الترمذي سنده وصحّحه الألباني([46]).
5 ـ حديث حذيفة
أخرج البيهقي في سننه الكبرى عن أبي عبد الله الحافظ وإبي‌بكر أحمد بن الحسن وأبي سعيد بن أبي عمرو، قالوا: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا إسماعيل بن إسحاق، حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، حدثنا فضيل بن سليمان، حدثنا أبو مالك الأشجعي، عن ربعي بن حراش، عن حذيفة، عن النبي (صلي الله عليه وسلم)، قال: «إنّ النبي لا يورّث»، وقال البيهقي: وقال أبو العباس في موضع آخر: «إنّا لا نورّث»([47]).
وسنده ضعيف بفضيل بن سليمان، قال المزي في (تهذيب الكمال) عن عباس الدوري، عن يحيى بن معين: ليس بثقة([48]).
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني في (تهذيب التهذيب): قال صالح بن محمد جزرة: (منكر الحديث؛ روى عن موسى بن عقبة مناكير)، و قال الساجى، عن ابن معين: (ليس هو بشـيء، و لا يكتب حديثه)... وقال ابن قانع: (ضعيف، توفّي سنة ثلاث و ثمانين و مئة)([49]).
 
الاستدلال بحديث (لا نورّث) على عدم إرث الأنبياء
استدلّ علماء السنة بحديث (لا نورّث) على عدم وراثة النبي الأكرم(صلي الله عليه و آله و سلم)، باعتبار أنّ قوله: «صدقة» مرفوع، فيكون معناه: أنّ المتروك عنّا صدقة([50]).
ويؤيده استدلال أبي بكر وعمر وعائشة بالحديث على عدم الإرث، وعدم معارضة الصحابة الذين كانوا بمجلس عمر (في حديث مالك بن أوس) لذلك، وكذا عدم معارضة أُمّهات المؤمنين (في حديث عائشة) لاستدلال عائشة به.
مناقشة الاستدلال بحديث (لا نورّث) على عدم إرث الأنبياء
يمكن مناقشة الاستدلال بحديث (لا نورِّث) على عدم إرث النبي الكريم(صلي الله عليه و آله و سلم) وإنْ ورد في صحيحي البخاري ومسلم، كالآتي:
طرح أحاديث الصحيحين الّتي لا تتفق مع الثوابت
لا إشكال في طرح الأحاديث الّتي لا تتّفق مع الثوابت الدّينيّة والتّاريخيّة، وعدم العمل بمقتضاها؛ ولذا فورود حديث ما في الصحيحين لا يعني بالضـرورة قبوله والعمل طبق مقتضاه، وإنّما يعرض عنه ولا يلتفت إليه في صورة مخالفته لتلك الثوابت، ومن هنا ردّ علماء السنّة ومحدثوهم بعض أحاديث الصّحيحين (فضلاً عن غيرهما)، وإليك بعض الأمثلة من الأحاديث الّتي ردّت من قبل علماء السنّة؛ لمخالفتها بعض الثّوابت الدّينيّة أو التاريخيّة:
1‌ـ أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما، بسندهما عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر، قال: سمعت أنس بن مالك يحدّثنا عن ليلة أسري بالنّبيّ (صلى الله عليه وسلم) من مسجد الكعبة، جاء ثلاثة نفر قبل أن يُوحى إليه، وهو نائم في مسجد الحرام...([51]).
وقد ردّت هذه الرّواية؛ لمخالفتها الصّـريحة لمسلَّمة دينيّة وتاريخيّة وهي أنّ الإسراء كان بعد البعثة النّبوية المباركة، حيث قال ابن حجر في شرحه لرواية البخاري المتقدِّمة: قوله: (قبل أن يوحى إليه) أنكرها الخطّابي وابن حزم وعبد الحقّ والقاضي عياض والنّووي، وعبارة النّووي: وقع في رواية شريك ـ يعني هذه ـ أوهام أنكرها العلماء أحدها قوله: (قبل أن يوحى إليه)، وهو غلط لم يوافق عليه، وأجمع العلماء على أنّ فرض الصّلاة كان ليلة الإسراء، فكيف يكون قبل أن يوحى إليه؟!([52]).
وقال النّووي في شرحه لرواية مسلم المتقدِّمة: قوله: (وذلك قبل أن يوحى إليه)، وهو غلط لم يوافق عليه؛ فإنّ الإسراء أقل ما قيل فيه: أنّه كان بعد مبعثه (صلى الله عليه وسلم) بخمسة عشر شهراً...([53]).
2‌ـ أخرج مسلم في صحيحه، بسنده عن أبي هريرة، قال: أخذ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بيدي، فقال: «خلق الله عزّ وجلّ التّربة يوم السّبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشّجر يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثّلاثاء، وخلق النّور يوم الأربعاء، وبثَّ فيها الدّوابّ يوم الخميس، وخلق آدمبعد العصر من يوم الجمعة في آخر الخلق في آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل»([54]).
وقد ردّت هذه الرّواية أيضاً؛ لمخالفتها لصـريح القرآن الكريم، قال ابن كثير: هذا الحديث من غرائب صحيح مسلم، وقد تكلّم عليه عليّ بن المديني والبخاري وغير واحد من الحفّاظ، وجعلوه من كلام كعب، وأنّ أبا هريرة إنّما سمعه من كلام كعب الأحبار، وإنّما اشتبه على بعض الرّواة فجعلوه مرفوعاً، وقد حرّر ذلك البيهقي([55]).
وقال أيضاً: رواه مسلم بن الحجاج في صحيحه، والنّسائي من غير وجه عن حجاج ـ وهو ابن محمد الأعور ـ عن ابن جريج به، وفيه استيعاب الأيّام السّبعة، والله تعالى قد قال في (سِتّةِ أيّام) ولهذا تكلّم البخاري وغير واحد من الحفّاظ في هذا الحديث وجعلوه من رواية أبي هريرة عن كعب الأحبار ليس مرفوعاً([56]).
وقال الآلوسي: ولا يخفى أنّ هذا الخبر مخالف للآية الكريمة، فهو إمّا غير صحيح وإن رواه مسلم وأمّا مؤوّل،
وأنا أرى أنّ أوّل يوم وقع فيه الخلق يقال له: الأحد، وثاني
يوم: الاثنين، وهكذا، ويوم جمع فيه الخلق الجمعة، فافهم([57]) إلى غير ذلك من الأمثلة الّتي تحتاج إلى تتبّع هو خارج عن محلّ بحثنا.
وعليه، فمجرّد وجود الحديث في الصّحيحين أو غيرهما لا يُكسبه الدّرجة القطعيّة في الصّدور، وإنّما يعرض عنه في صورة مخالفته للثوابت الدينية أو القرآنية أو التاريخية.
تقاطع حديث (لا نورّث) مع الثوابت التاريخية والقرآنية
إنّ حديث (لا نورّث) بعد غضّ النظر عن أسانيده لا يمكن الأحتجاج به، لتقاطعه مع الثوابت التاريخية والقرآنية، وإليك بيان أهم هذه الثوابت:
أولاً: الثوابت التاريخية
1 ـ مخالفة بضعة رسول الله(صلي الله عليه و آله و سلم) لحديث (لا نورّث)
إنّ غضب فاطمة3 واذاها هو من غضب رسول الله(صلي الله عليه و آله و سلم) واذاه، ولازم ذلك أنّها لا تغضب إلا لله تعالى، ومن الثابت غضبها على أبي بكر ومخالفتها لحديث (لا نورّث) ورحيلها وهي غاضبة عليه وعدم الإذن له في الصلاة عليها بوصية منها.
وعليه: فيكون غضبها عليه في المورد قرينة على أنّه قد أخطئا في فهم (لا نورّث) على فرض صدوره.
أ‌ـ أمّا كون غضبها3 وإذاها من غضب رسول الله(صلي الله عليه و آله و سلم) وإذاه فهو صريح ما في صحيحي البخاري ومسلم:
فقد أخرجه البخاري في صحيحه من طريق عمرو بن دينار، عن ابن أبي مليكة، عن المسور بن مخرمة، أنّ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: «فاطمة بَضْعَة منّي فمن أغضبها أغضبني»([58]).
وأخرجه أيضاً في باب مناقب فاطمة3([59]).
وأخرجه مسلم في صحيحه أيضاً، وفيه: «يُؤذِينِي مَا آذَاهَا»([60]).
وأخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما من طريق الليث، عن ابن أبي مليكة، عن المسور بن مخرمة، وفيه أنّ رسول الله (صلي الله عليه وسلم)، قال: «هي بضعة منّي يريبني ما أرابها ويؤذيني ما آذاها»([61]).
وأخرج الطبراني في الكبير من طريق عبيد الله بن أبي رافع، عن المسور بن مخرمة، وفيه أنّ رسول الله (صلي الله عليه وسلم)، قال: «فاطمة شجنة مني يبسطني ما يبسطها ويقبضني ما يقبضها»([62]).
رواه عنه الهيثمي في زوائده، وتعقبه بقوله: «رواه الطبراني، وفيه أُمّ بكر بنت المسور، ولم يجرحها أحد ولم يوثّقها، وبقية رجاله وثقوا»([63]).
وأخرجه الحاكم في مستدركه وصحّح سنده، ووافقه الذهبي في التلخيص([64]) .
فهذا الحديث صريحة الدلالة على أنّ غضب فاطمة3 وأذاها من غضب رسول الله(صلي الله عليه و آله و سلم) وأذاه، فقد ساوى بين غضبه وأذاه وبين غضبها وأذاها، فجزم(صلي الله عليه و آله و سلم) بأنّه يغضبه ما يغضبها ويؤذيه ما يؤذيها، ولازم ذلك أنّها لا تغضب إلا للحقّ؛ وإلا لو كانت تغضب لباطل لمَا ساوى بين غضبها وأذاها وبين غضبه وأذاه، فكما أنّ غضب رسول الله(صلي الله عليه و آله و سلم) وأذاه من غضب الله تعالى وأذاه، فكذلك غضب فاطمة3 وأذاها من غضب الله تعالى وأذاه؛ بحكم تلك المساواة.
وقد ورد النهي عن أذى رسول الله(صلي الله عليه و آله و سلم)، قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالاْخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُهِيناً)([65])، وقوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)([66])، وقوله تعالى: (وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ)([67]).
ويؤيد ما تقدّم من أنّها لا تغضب إلا للحقّ ما أخرجه الطبراني في الكبير من طريق حسين بن زيد بن عليّ، عن عليّ بن عمر بن عليّ، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن عليّ بن الحسين، عن الحسين بن عليّ (رضي الله عنه)، عن عليّ (رضي الله عنه)، قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لفاطمة (رضي الله عنها): إنّ الله يغضب لغضبك ويرضى لرضاك»([68]).
رواه عنه الهيثمي في زوائده وحسّن سنده، حيث قال عقبه: «رواه الطبراني وإسناده حسن»([69]).
وأخرجه الحاكم في مستدركه، وصحّح سنده([70]).
فهذا الحديث صريح في أنّ فاطمة3 لا تغضب إلا للحقّ، وإلا فكيف يغضب الله تعالى لغضبها ويرضى لرضاها.
وقد استدلّ بحديث البضعة، الشاشي والبيهقي والسهيلي على كفر من سبّ فاطمة3([71]).
وما قيل من أنّ سبب الحديث هو قصة خطبة أميرالمؤمنين7 من ابنة أبي جهل وغضب فاطمة3 عليه، فيكون الوعيد لاحقاً به أيضاً([72]).
فجوابه هو أنّ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما صرّح بذلك ابن تيمية في مواضع متعدّدة من كتبه([73])، ومن هنا استدلّ بحديث البضعة على حرمة إغضابها وأذاها جمهور علماء السنة([74])، بل استدلّ به الشاشي والبيهقي والسهيلي على كفر من سبّها.
فمجيء قصة خطبة ابنة أبي جهل في ذيل بعض ألفاظ الحديث لم تمنع من استدلالهم به على عموم حرمة إغضابها وأذاها وكفر من سبّها.
والكلام هو وفق مباني السنة، وأمير المؤمنين7 ليس معصوماً عندهم، وصريح ما في الصحيحين هو أنّ أميرالمؤمنين7 قد ترك الخطبة لما غضبت عليه فاطمة3([75])، ولم يُمنع من الصلاة عليها، بل هو من صلّى عليها وجهّزها، كما أنّ رحيلها وهي غاضبة على أبي بكر وعدم الإذن له في الصلاة عليها هو صريح ما في الصحيحين أيضاً، ومن هنا فأصل الكلام هو في إقامة الدليل على رضاها عن أبي بكر بعد غضبها عليه.
ب ـ وأمّا غضبها3 على أبي بكر وعدم الإذن له في الصلاة عليها فهو صريح ما في صحيحي البخاري ومسلم أيضاً:
فقد أخرجه البخاري في صحيحه، من طريق إبراهيم بن سعد، عن صالح، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عروة بن الزبير أنّ عائشة أم المؤمنين (رضي الله عنها) أخبرته، وفيه: «فقال لها أبو بكر: إنّ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: «لا نورّث ما تركنا صدقة»، فغضبت فاطمة بنت رسول الله (صلي الله عليه وسلم)، فهجرت أبا بكر فلم تزل مهاجرته حتّى توفّيت »([76]).
وأخرجه في صحيحه أيضاً عن يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة، وفيه: «فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك فهجرته فلم تكلّمه حتّى توفّيت وعاشت بعد النبي (صلى الله عليه وسلم) ستّة أشهر فلمّا توفّيت دفنها زوجها عليٌّ ليلاً ولم يؤذن بها أبا بكر وصلّى عليها»([77]).
وأخرجه مسلم في صحيحه عن محمد بن رافع، أخبرنا حجين، حدثنا ليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة، أنّها أخبرته، وفيه: قال: فهجرته فلم تكلّمه حتّى توفّيت([78]).
وأخرجه البخاري في صحيحه عن عبد الله بن محمد، حدثنا هشام، أخبرنا معمّر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، وفيه: قال: فهجرته فاطمة فلم تكلّمه حتّى ماتت([79]).
فهذه الأحاديث صريحة في عدم الرضا والهجران، واستمراره حتى رحيلها، فلا دليل على انقطاع هذا الغضب سوى ما أخرجه البيهقي من طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، قال: لمّا مرضت فاطمة رضي الله عنها أتاها أبو بكر الصديق (رضي الله عنه) فاستأذن عليها، فقال عليٌّ (رضي الله عنه): «يا فاطمة، هذا أبو بكر يستأذن عليك»، فقالت: «تحبّ أن آذن له؟» قال: «نعم»، فأذنت له، فدخل عليها يترضاها، وقال: والله، ما تركت الدار والمال والأهل ولا عشيرة إلا ابتغاء مرضاة الله ومرضاة رسوله ومرضاتكم أهل البيت، ثم ترضّاها حتّى رضيت([80]).
وهذه الرواية مرسلة، ومعارضة لما في الصحيح الصـريح في رحيلها وهي غاضبة عليهما.
واستظهار الانقطاع أو الإدراج من اختلاف ألفاظ رواية الزهري، وما جاء فيها من لفظ: (قال: فهجرته)؛ إذ أنّ مرجع الضمير فيه ليست عائشة وإنّما هو أحد رجال الرواية، وبالتالي إمّا أن يكون هذا الراوي قد أدرج مسألة الهجر، وإمّا أن يكون قد رواه مرفوعاً، باطل جدّاً؛ وذلك لأنّ الراوي عن الزهري ليس واحداً كما تقدم، وإنّما رواها عنه صالح وعقيل ومعمّر، ولفظ: (قال: فهجرته) لم يرد الا في رواية عقيل بلفظ مسلم، ورواية معمر.
ولم يرد هذا اللفظ في رواية صالح، وعقيل بلفظ البخاري، وإنّما التفريع فيها كان بوسطة (الفاء).
وصالح أثبت في الزهري من معمّر عند يحيى بن معين، وأحبّ من عقيل عند أبي حاتم([81]).
كما أنّ طريق مسلم إلى عقيل يختلف عن طريق البخاري إليه؛ فقد أخرجه مسلم من طريق حُجَيْنٌ حدثنا ليث عن عقيل، وأخرجه البخاري من طريق يحيى بن بكير حدثنا الليث عن عقيل.
وابن بكير أثبت من حجين في الليث([82]).
فإن أبيت ذلك فأقصى ما قد يقال في المورد هو إنّ الزهري تارة روى الهجران مسنداً، كما في رواية صالح ورواية عقيل بلفظ البخاري ورواية معمر بلفظ مسلم، وتارة أخرى رواه مرفوعاً؛ كما في رواية عقيل بلفظ مسلم، وفي رواية معمر بلفظ البخاري، ولا مانع من ذلك، فتارة يروي الزهري مسنداً وتارة أخرى مرفوعاً، وحمل مسنداته على مرسلاته يحتاج إلى إبداع قاعدة جديدة في الحديث!
وقد أقرّ بدلالة الحديث على عدم الرضا والهجران ابن حجر بشكل ضمني عند تعقبه لما أخرجه أحمد وأبو داوود من طريق أبي الطفيل (أرسلت فاطمة إلى أبي بكر: «أنت ورثت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أم أهله؟!»، قال: لا، بل أهله)؛ حيث قال: فلا يعارض ما في الصحيح من صريح الهجران، ولا يدلّ على الرضا بذلك([83]).
وقال أيضاً عن الشاشي في تعقب ما نقله الترمذي عن بعض مشايخه (أنّ معنى قول فاطمة لأبي بكر وعمر: «لا أكلمكما» أي في هذا الميراث): إنّ قرينة قوله: (غضبت)، يدلّ على أنّها امتنعت من الكلام جملة، وهذا صريح الهجر([84]).
فكلام ابن حجر صريح في إذعانه بأنّ ما في الصحيح صريح في الهجران، كما أنّ سكوته عن كلام الشاشي يكشف عن موافقته له.
ج‌ـ وأمّا كون ذلك بوصية منها فقد ورد في روايات صحيحة من طرق متعددة كما صرّح بذلك الحافظ ابن حجر العسقلاني، فقد قال عقب قوله (دفنها زوجها عليٌّ ليلاً ولم يؤذن بها أبا بكر): ومن عدة طرق أنّها دفنت ليلاً وكان ذلك بوصية منها([85]).
2 ـ ردّ أمير المؤمنين(عليه السلام) لحديث (لا نورّث)
إنّ أمير المؤمنين(عليه السلام قد ردّ استدلال أبي بكر بحديث (لا نورّث)، فيتعارض فهم الإمام7 مع فهم أبي بكر من الحديث، وحينئذٍ يقدّم فهم الإمام7 لأنّه أعلم الصحابة بحكم كونه أقضاهم.
أ‌ ـ أمّا ردّ الإمام(عليه السلام لحديث (لا نورّث) فدليله قوله في رواية مسلم التالية: «... فقال أبو بكر: قال رسول الله (صلي الله عليه وسلم): «ما نورّث ما تركنا صدقة» فرأيتماه كاذباً آثماً غادراً خائناً... ثمّ توفّي أبو بكر وأنا وليّ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ووليّ أبي بكر، فرأيتماني كاذباً آثماً غادراً خائناً»([86])؛ إذ هو صريح في ردّ الإمام(عليه السلام لحديث (لا نورّث) بل اتّهم الشيخين بوضعه.
ويؤيد ذلك ما زُعم من تخاصم أمير المؤمنين(عليه السلام والعباس في زمان عمر، فلو كان حديث (لا نورِّث) موجوداً أو كان ثابتاً وموجباً لهما العلم به بإخبار أبي بكر، لما تخاصما.
وقد أشار لهذا الإشكال ابن حجر، حيث قال: وفي ذلك إشكال شديد، وهو أنّ أصل القصّة صريح في أنّ العبّاس وعلياً قد علما بأنّه (صلى الله عليه وسلم) قال: «لا نورث» فإن كانا سمعاه من النّبيّ (صلى الله عليه وسلم) فكيف يطلبانه من أبي بكر؟ وإن كانا إنّما سمعاه من أبي بكر أو في زمنه بحيث أفاد عندهما العلم بذلك، فكيف يطلبانه بعد ذلك من عمر؟([87]).
وقوله: ثمّ جئتماني الآن تختصمان، يقول: هذا أريد نصيبي من ابن أخي، ويقول: هذا أريد نصيبي من امرأتي، صريح في تخاصمهما في الإرث، لا في ولاية الصّدقات، ويشهد له قول عمر بعد ذلك: والله لا أقضي بينكما إلّا بذلك، أي إلّا بما تقدّم من تسليمها لهما على سبيل الولاية، كما صرّح بذلك ابن حجر، حيث قال: ولفظه في آخره: (ثمّ جئتماني الآن تختصمان يقول هذا أريد نصيبي من ابن أخي ويقول هذا أريد نصيبي من امرأتي، والله لا أقضـي بينكما إلا بذلك)، أي إلّا بما تقدّم من تسليمها لهما على سبيل الولاية([88]).
وقد ذكر البعض وجوهاً في توجيه الحديث، ضعّفها كلّها ابن حجر، حيث قال: وفي السنن لأبي داوود وغيره (أرادا إنّ عمر يقسمها لينفرد كلّ منهما بنظر ما يتولاه، فامتنع عمر من ذلك، وأراد أن لا يقع عليها اسم قسم، ولذلك أقسم على ذلك، وعلى هذا اقتصر أكثر الشرّاح واستحسنوه، وفيه من النّظر ما تقدّم)([89])، وأعجب من ذلك جزم ابن الجوزي، ثمّ الشّيخ محيي‌الدّين: (بأنّ عليّاً وعبّاساً لم يطلبا من عمر إلّا ذلك)، مع أنّ السّياق صريح في أنّهما جاءاه مرتين في طلب شيء واحد([90]).
وأمّا الوجه الّذي ذكره ابن حجر حيث قال: الّذي يظهر ـ‌ والله أعلم‌ ـ حمل الأمر في ذلك على ما تقدّم في الحديث الّذي قبله في حقّ فاطمة، وإنّ كلا من عليّ وفاطمة والعباس اعتقد أنّ عموم قوله: «لا نورّث» مخصوص ببعض ما يخلفه دون بعض؛ ولذلك نسب عمر إلى عليّ وعباس أنّهما كانا يعتقدان ظلم من خالفهما في ذلك([91]).
 فقد تقدّم آنفاً جوابه من أنّه خلاف ظاهر الحديث، لأنّه صريح الدّلالة على مطالبة الزّهراء3 بكلّ ميراثها من رسول الله(صلي الله عليه و آله و سلم)، وهو الفيء وفدك ـ أرضاً ومنفعة ‌ـ والخمس، كما هو صريح رواية البخاري المتقدِّمة، حيث قال: أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ممّا أفاء الله عليه بالمدينة وفدك وما بقي من خمس خيبر([92]).
كما أنّه من غير المعقول أن يخفى مثل هذا العموم على شخص كأمير المؤمنين(عليه السلام، وهو الّذي كان يفزع إليه الصّحابة عند الملمات وتوارد المشكلات؟
ولماذا لم يخبر أبو بكر فاطمة3 بهذا العموم كما
وجّه ابن حجر نفسه مطالبة الزّهراء3 بفدك في الوجه المتقدّم؟! فإذا أعلمها بهذا العموم، فلِمَ لم تخبر به زوجها
أمير المؤمنين7؟
ثمّ كيف يبقى أمير المؤمنين7 والعباس هذه المدّة كلّها لا يعلمان بهذا العموم، على الرغم من تكرّر المطالبة والخصومة منذ زمن أبي بكر، وحتّى زمن عمر؟!
ب ـ وأمّا تقديم فهم الإمام7 على فهم أبي بكر فدليله ـ بعد غضّ النظر عن عصمة الإمام7 ـ هو كونه أقضـى الصحابة، ولازم ذلك أنّه أعلمهم.
فقد أخرج البخاري في صحيحه عن عمرو بن عليّ، حدثنا يحيى، حدثنا سفيان، عن حبيب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: قال عمر (رضي الله عنه): أقرؤنا أُبَي، وأقضانا علي، وإنّا لندع من قول أُبَي وذاك أنّ أُبيّاً يقول لا أدع شيئاً سمعته من رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وقد قال الله تعالى (ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها)([93]).
وأخرج ابن ماجة في سننه عن محمد بن المثنى، حدثنا
عبد الوهاب بن عبد المجيد، حدثنا خالد الحذّاء، عن أبي قلابة، عن أنس بن مالك، عن رسول اللهe، وفيه: وأقضاهم عليّ بن أبي طالب([94]).
وقد صحّح سنده الألباني([95]).
وأخرج ابن أبي شيبة في مصنفه من طريق أبي معاوية، عن الأعمش، عن عمرو بن مرّة، عن أبي البختري، عن عليّ، قال: «بعثني النبي (صلى الله عليه وسلم) إلى أهل اليمن لأقضـي بينهم، قلت: يا رسول الله، إنّي لا علم لي بالقضاء، فضـرب بيده على صدري، وقال: «اللهم اهد قلبه واسدد لسانه»، قال: فما شككت في قضاء بين اثنين حتى جلست مجلسي هذا»([96]).
وأخرجه أبو داوود في سننه عن عمرو بن عون، قال: أخبرنا شريك، عن سماك، عن حنش، عن عليٍّ، نحوه لكن زاد فيه: «فإذا جلس بين يديك الخصمان فلا تقضينّ حتّى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول فإنّه أحرى أن يتبين لك القضاء»([97]).
وقد حسّن الألباني إسناده([98]).
وأخرجه عبد الله في زوائده على مسند أبيه أحمد بن حنبل من طريق يحيى، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن عليٍّ، نحو حديث عمرو بن عون([99]).
وقد صحّح شعيب الأرنؤوط سنده، قال: صحيح، رجاله ثقات، رجال الشيخين([100]).
وأخرجه الحاكم في المستدرك عن حمزة بن العباس العقبي ببغداد، حدثنا العباس بن محمد الدوري، حدثنا شبابة بن سوار، حدثنا ورقاء بن عمر، عن مسلم، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: بعث النبي (صلى الله عليه و سلم) إلى اليمن علياً، فقال: «علّمهم الشـرائع و اقض بينهم»، قال: «لا علم لي بالقضاء»، فدفع في صدره، فقال: «اللهم اهده للقضاء»([101]).
وقد صحّح الحاكم سنده على شرط البخاري ومسلم ووافقه الذهبي في التلخيص([102]).
فهذا الحديث صريح في أنّ أمير المؤمنين(عليه السلام هو أقضـى الأمّة، ولازم ذلك أن يكون الأعلم؛ إذ إنّ القضاء والعلم متلازمان، قال المناوي في بيان (وأقضاهم عليٌّ): أي أعرفهم بالقضاء بأحكام الشرع، قال السمهودي: (ومعلوم أنّ العلم هو مادّة القضاء، قال الزمخشري: سافر رجل مع صحب له فلم يرجع حين رجعوا فاتهمهم أهله فرفعوهم إلى شريح فسألهم البينة على قتله فارتفعوا إلى عليٍّ فأخبروه بقول شريح فقال: أوردها سعد وسعد مشتمل . . . ما هكذا يا سعد تورد الإبل)، ثم قال: (إنّ أصل السقي التشـريع، ثم فرق بينهم وسألهم، فاختلفوا، ثمّ أقرّوا بقتله، فقتلهم به، وأخباره في هذا الباب مع عمر وغيره لا تكاد تُحصـى، قالوا: وكما أنّه أقضـى الصحب في العلم الظاهر فهو أفقههم بالعلم الباطن : قال الحكيم الترمذي في قول المصطفى (صلى الله عليه وسلم) لعليٍّ: «البس الحلّة التي خبأتها لك»: هي عندنا حلة التوحيد، فإنّ الغالب على عليٍّ التقدّم في علم التوحيد، وبه كان يبرز على عامة أصحاب رسول الله (صلى الله عليه سلم)) إلى هنا كلامه([103]).
وهنا ينبغي الإشارة إلى أنّ مسألة (أعلم الأُمّة) تختلف عن مسألة (أفضل الأمّة)، ومذهب جمهور السنة هو أنّ أبا بكر هو أفضل الأمّة وليس أعلمها، ومن هنا لم يشترطوا قيد (الأعلم) في خليفة رسول الله(صلي الله عليه و آله و سلم)، قال الأيجي في ردّ ما حكاه عن الإمامية (شرط الإمام أن يكون أعلم الأمة، بل عالماً بجميع الأحكام كما مرّ ولم يكن أبو بكر كذلك، قلنا: الأصل ممنوع، وإنّما الواجب الاجتهاد، ولا يقتضي كون جميع الأحكام عتيدة عنده، وأنّه مجتهد؛ إذ ما من مسألة في الغالب إلا وله فيها قول مشهور عند أهل العلم([104]).
وعليه فلا ينقض قولنا بإجماع جمهور السنة على أفضلية أبي بكر؛ لعدم ارتباطها بمسألتنا، وإنّما محلّ كلامنا في أعلمية الإمام(عليه السلام) عن سائر الصحابة بحكم كونه أقضاهم، وقوام القضاء بالعلم، وهذا يكون قرينة على أرجحية فهمه على فهم سائر الصحابة، وقد خالف الإمام (عليه السلام) فهم أبي بكر في حديث (لا نورِّث)، فيقدّم فهم الإمام (عليه السلام) على فهم أبي بكر.
والحاصل أنّ فهم أبي بكر من حديث (لا نورِّث) يتعارض مع فهم الإمام(عليه السلام منه، فيرجح فهم الإمام، لوجود القرينة المستلزمة لذلك، وهي كونه أعلم الصحابة الذي يكشف عنه قوله (أقضاكم).
3 ـ عدم تبليغ رسول الله(صلي الله عليه و آله و سلم) أحكام الإرث لورثته
من الثابت هو أنّ رسول الله(صلي الله عليه و آله و سلم) لم يذكر حديث (لا نورِّث) لذوي الشأن ومحلّ الابتلاء، وهم أقاربه، كفاطمة وقرينها أميرالمؤمنين(عليه السلام)، والعباس، وأزواج النبي الكريم(صلي الله عليه و آله و سلم)، ولازم ذلك عدم تبليغ أحكام الإرث وبيانها لورثته، وهو يتنافى مع الثابت أيضاً من أنّ رسول الله(صلي الله عليه و آله و سلم) قد أبلغ رسالة ربّه سبحانه على أكمل وأتمّ وجه حتى عند موقع القبول والرضا من البارئ عزّ وجل، كما هو صريح قوله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا)([105]).
فمن التّساؤلات الّتي لم يُجب عنها بوضوح هي سبب عدم ذكر الرّسول(صلي الله عليه و آله و سلم) هذا الحديث لذوي الشأن ومحلّ الابتلاء، وهم أقاربه(صلي الله عليه و آله و سلم) كفاطمة وقرينها أمير المؤمنين(عليه السلام)، والعباس، وزوجاته(صلي الله عليه و آله و سلم)؟
فلماذا لم يخبر الرّسولُ(صلي الله عليه و آله و سلم) أميرَ المؤمنين(عليه السلام الّذي كان أطوع الأمّة وأكثرها اتّباعاً له(صلي الله عليه و آله و سلم)، فقد أخرج البخاري في صحيحه عن قتيبة بن سعيد، حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن بن محمد بن عبدالله بن عبد القاري، عن أبي حازم، قال: أخبرني سهل (رضي الله عنه) (يعني ابن سعد)، قال: قال النبي (صلى الله عليه وسلم) يوم خيبر: لأُعطين الراية غداً رجلاً يفتح على يديه يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله»([106]).
وأخرجه مسلم في صحيحه عن قتيبة بن سعيد، حدثنا عبدالعزيز (يعني ابن أبي حازم)، عن أبي حازم، عن سهل، وحدثنا قتيبة بن سعيد (واللفظ هذا): حدثنا يعقوب (يعني ابن عبد الرحمن)، عن أبي حازم، أخبرني سهل بن سعد، أنّ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال يوم خيبر، نحوه([107]).
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: في الحديثين ـ حديث سهل بن سعد في قصّة فتح خيبر وحديث سلمة بن الأكوع في المعنى ـ أنّ علياً (يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله) أراد بذلك وجود حقيقة المحبة والا فكلّ مسلم يشترك مع عليٍّ في مطلق هذه الصفة، في الحديث تلميح بقوله تعالى: (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ)([108])، فكأنّه أشار إلى أنّ علياً تامّ الاتّباع لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) حتى اتصف بصفة محبة الله له؛ ولهذا كانت محبته علامة الإيمان وبغضه علامة النفاق كما أخرجه مسلم من حديث عليّ نفسه، قال: «والذي فلق الحبّة وبرأ النسمة إنّه لعهد النبي (صلى الله عليه وسلم) أن لا يحبّك الا مؤمن ولا يبغضك الا منافق»، وله شاهد من حديث أمّ سلمة عند أحمد([109]).
وكان7 نَجيّ رسول الله(صلي الله عليه و آله و سلم)، فقد أخرج الترمذي في سننه عن عليّ بن المنذر الكوفي، حدثنا محمد بن فضيل، عن الأجلح، عن الزبير، عن جابر، قال: دعا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) علياً يوم الطائف فانتجاه، فقال الناس: لقد طال نجواه مع ابن عمه، فقال رسول الله (صلي الله عليه وسلم): «وما انتجيته ولكن الله أنتجاه»([110]).
وقد حسّن الترمذي سنده وتعقبه بقوله: ومعنى قوله: «ولكنّ الله انتجاه»، يقول: الله أمرني أن أنتجي معه([111]).
ولماذا لم يُعلم(صلي الله عليه و آله و سلم) الزّهراء (عليها السلام) بهذا الحديث وهي بضعته التي غضبها وأذاها من غضبه وأذاه كما تقدّم وذلك من أجل أن يجنّبها الخروج وتعريض نفسها للانتهاك ووضعها في معرض التّهمة؟! وهو9 الحريص كلّ الحرص على عدم إلحاق الأذى بها3 حتّى قرن أذيتها بأذيته(صلي الله عليه و آله و سلم) كما أخرج مسلم في صحيحه بسنده عن المسور بن مخرمة، قال: «قال رسول الله (صلي الله عليه وسلم): «إنّما فاطمة بضعةٌ منيّ، يؤذيني ما آذاها»([112]).
 ولماذا لم يخبر(صلي الله عليه و آله و سلم) أزواجه أمّهات المؤمنين وفيهنّ أمّ سلمة، اللاتي لا يليق بشأنهنّ إظهارهنّ أمام الأمّة بمظهر الجاهل بهذا الحكم الّذي يخصّهنّ بالدّرجة الأولى قبل غيرهم، حتّى أردن إرسال عثمان إلى أبي بكر ليسأله ميراثهنّ كما تقدم ذلك في حديث عائشة؟!
ولماذا لم يخبر الرّسول الأكرم(صلي الله عليه و آله و سلم) عمّه العبّاس بن عبدالمطلب، ليجنّبه ذُلّ المطالبة والوقوف بين يدي الحاكم على الرغم من كبر سنّه، حتى بقي يطالب بهذا الإرث بعد موت أبي‌بكر ووصول الأمر لعمر كما تقدم في حديث عمر.
وقد حكى هذه التّساؤلات الفخر الرّازي في تفسيره عن علماء الشّيعة، قال: إنّ المحتاج إلى معرفة هذه المسألة ما كان إلّا فاطمة وعليّ والعباس، وهؤلاء كانوا من أكابر الزّهاد والعلماء وأهل الدّين، وأمّا أبو بكر فإنّه ما كان محتاجاً إلى معرفة هذه المسألة البتة؛ لأنّه ما كان ممّن يخطر بباله أنّه يرث من الرّسول عليه الصّلاة والسّلام، فكيف يليق بالرّسول عليه الصّلاة والسّلام أن يبلغ هذه المسألة إلى من لا حاجة به إليها، ولا يبلغها إلى من له إلى معرفتها أشدّ الحاجة؟!([113]).
وما قد يقال من أنّ النّبيّ(صلي الله عليه و آله و سلم) أخبرهم وكانوا يعلمون بالحديث كالزّهراء3، لكنّها اعتقدت الخصوص في الحديث، واعتقد أبو بكر عمومه، كما صرّح بذلك ابن حجر، حيث قال: وأمّا سبب غضبها مع احتجاج أبي بكر بالحديث المذكور فلاعتقادها تأويل الحديث على خلاف ما تمسّك به أبو بكر، وكأنّها اعتقدت تخصيص العموم في قوله: «لا نورِّث»، ورأت أنّ منافع ما خلفه من أرض وعقار لا يمتنع أن تورَّث عنه، وتمسّك أبو بكر بالعموم، واختلفا في أمر محتمل للتأويل([114]).
لا يرفع الإشكال، لأنّه خلاف ظاهر الحديث، فإنّه صريح في مطالبة الزّهراء3 بكلّ ميراثها من الرّسول(صلي الله عليه و آله و سلم)، وهو الفيء وفدك (أرضاً ومنفعة) والخمس، كما هو صريح حديث أُبَي المتقدّم الذي أخرجه البخاري في صحيحه عن أبي اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري، قال: حدثني عروة بن الزبير، عن عائشة: إنّ فاطمة (عليها السلام) أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من النبي (صلى الله عليه وسلم) مما أفاء الله على رسوله (صلى الله عليه وسلم) تطلب صدقة النبي (صلى الله عليه وسلم) التي بالمدينة وفدك وما بقي من خمس خيبر... .([115])
وأخرج في صحيحه أيضاً عن يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة: إنّ فاطمة (عليها السلام) بنت النبي (صلى الله عليه وسلم) أرسلت إلى أبي‌بكر تسأله ميراثها من رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ممّا أفاء الله عليه بالمدينة وفدك وما بقي من خمس خيبر...([116]).
فهذا الحديث صريح الدلالة على مطالبة فاطمة3 والعباس بأرضيهما من فدك وسهمهما من خيبر.
مضافاً إلى أنّه يقال حينئذ: لِمَ لَمْ يخبرهم الرّسول(صلي الله عليه و آله و سلم) بذلك، ويقول لهم بأنّ الحديث عامّ وشامل لكلّ موارد الإرث ولا يختص ببعضها؟
وما قد يقال من أنّ الرسول الأكرم(صلي الله عليه و آله و سلم) كان يعلم بأنّ أبابكر سيكون خليفته من بعده فأخبره الحديث، لا يدفع إشكال التقصير في تبليغ الحكم؛ إذ كان بإمكانه أن يبلغ ورثته بذلك؛ ليجنبهم الحرج، أفعلم بخلافة أبي بكر ولم يعلم بما ستتعرض له بضعته بسبب الإرث؟!
 
ثانياً: الثوابت القرآنية
إنّ مضمون حديث «لا نورِّث ما تركنا صدقة» مخالف لصريح الآيات الكريمة الخاصّة الّتي نصّت على أنّ الأنبياء والرسل: يرث بعضهم بعضاً، وأنّهم غير خارجين عن دائرة أحكام الإرث، ومن هذه الآيات قوله تعالى: (يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ)([117])، وقوله تعالى: (وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ)([118]).
وكذا مخالف لعموم الآيات الكريمة الّتي بيّنت أحكام الإرث دون أن تستثني منها الأنبياء والرسل:، كقوله تعالى: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ)([119])، وقوله تعالى: (وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْض)([120]).
وقد وقع الكلام من علماء المسلمين قديماً وحديثاً في هذه الآيات الكريمة الخاصّة والعامّة، وهذه إشارة لما قيل، وما ينبغي أن يقال في المقام بإذن الله تعالى:
 آيات الإرث الخاصة وردت في القرآن الكريم بعض الآيات الكريمة الّتي نصّت بشكلٍ صريح على مسألة إرث الأنبياء:، وهي قوله تعالى حكايةً عن زكريّا7: (قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا * وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا)([121])، وقوله تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الّذي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ * وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النّاس عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كلّ شَيْءٍ إنّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ)([122]).
فقوله تعالى: (يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ)، وقوله تعالى: (وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ) يدلان على الإرث المالي، لأنّ التّوريث لا يتحقّق على نحو الحقيقة إلّا في المال، وأمّا النّبوّة والعلم والحكمة والحُبُورة([123]) والدّين وما شاكل، فلا يستعمل الإرث فيها إلّا على نحو المجاز، وإرادةُ المجاز تحتاج إلى قرينة واضحة وصريحة حتّى ترفع اليد عن إرادة المعنى الحقيقي وينصـرف الأمر إلى غيره.
وتقدم أنّ الإرث هو انتقال الشّيء من شخص إلى شخص آخر، أو من قوم إلى قوم، وأنّه يستعمل على نحو الحقيقة في انتقال المال، وعلى نحو المجاز في غيره([124])، وقد صرّح بعض مفسري السنّة باستعماله في القرآن الكريم مجازاً في غير المال([125]).
والحاصل أنّ استعمال الإرث على نحو الحقيقة في المال هو قدر متيقن، إذ لم يخالف أحد في ذلك، وعليه فإرادة وراثة غير المال من الحبورة والعلم والنّبوّة والحكمة والملك تحتاج إلى قرينة صارفة عن المعنى الحقيقي، أو معينة لأحد المعاني الحقيقية المشتركة المدّعاة، وهذه القرينة مفقودة في المقام.
وممّا يؤيّد استعمال الإرث في المال في الآيتين الكريمتين هو الحديث المتقدّم الذي أخرجه ابن سعد في طبقاته، حيث قال: فقال عليٌّ: «(وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ)، وقال زكريّا: (يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ)»، قال أبو بكر: هو هكذا، وأنت والله تعلم [مثل ما] ([126]أعلم، فقال عليّ: «هذا كتاب الله ينطق» فسكتوا وانصرفوا([127]).
فقد حمل أمير المؤمنين(عليه السلام الإرث في الآيتين الكريمتين على المال، ولم يعترض عليه أحد من الصّحابة، وإنّما «سكتوا وانصرفوا».
إلّا أنّ علماء السنّة لما ابتلوا بحديث أبي بكر اضطروا إلى القول بإرادة غير المال من التّوريث في تلك الآيات الكريمة مجازاً، أو على نحو الحقيقة باعتبار كون الإرث حقيقة في الأعمّ من المال حسب زعمهم، فاختلفوا من وجهين:
الأوّل: إنّ عدم وراثة الأنبياء: هل هي شاملة لكلّ الأنبياء: بما فيهم نبيّنا الكريم(صلي الله عليه و آله و سلم)، أو أنّها من مختصات النّبيّ الخاتم9 كسائر الأمور الأخرى الّتي اختصّ بها؟
فذهب أكثرهم إلى أنّ الأنبياء والرسل: كلّهم لا يورِّثون، ومال البقيّة إلى القول باختصاص عدم الإرث بالنّبيّ الخاتم(صلي الله عليه و آله و سلم)([128]).
الثاني: اختلفوا في الشـّيء الموروث في تلك الآيات الخاصّة، فذكروا عدّة أمور في المسألة، هي المال والحبورة والعلم والنّبوة والسّيرة الحسنة والحكمة والملك، وقد أجمل الفخر الرّازي هذا الخلاف في تفسيره، قائلاً: اختلفوا في المراد بالميراث على وجوه، أحدها: إنّ المراد بالميراث في الموضعين هو وراثة المال، وهذا قول ابن عباس والحسن والضّحّاك، وثانيها: إنّ المراد به في الموضعين وراثة النّبوّة، وهو قول أبي صالح، وثالثها: يرثني (المال)، ويرث من آل يعقوب (النّبوّة)، وهو قول السّدي ومجاهد والشّعبي، وروي أيضاً عن ابن عباس والحسن والضّحّاك، ورابعها: يرثني (العلم)، ويرث من آل يعقوب (النّبوّة)، وهو مروي عن مجاهد. وإعلم أنّ هذه الرّوايات ترجع إلى أحد أمور خمسة، وهي: المال ومنصب الحبورة والعلم والنّبوّة والسّيرة الحسنة([129]).
شبهة: وجود القرينة على إرادة المعنى المجازي
لا خلاف في جواز استعمال اللفظ في غير معناه الموضوع له مع ملاحظة المناسبة بينهما، ومن الواضح حمل اللفظ على المعنى المجازي مع وجود القرينة الدالة عليه، وهناك قرائن كثيرة على إرادة المعنى المجازي من الإرث في آيات الإرث الخاصة ذكرها العلماء حول تلك الآيات الكريمة، وعليه فلا يمكن الأستدلال بها على إرث الانبياء:([130]).
الردّ على الشبهة: عدم صلاحية القرائن المذكورة لصرف اللفظ عن معناه الحقيقي لتصحيح حمل الإرث في الآيتين المتقدّمتين على الوجوه المذكورة آنفاً، ذكرت عدّة قرائن صارفة أو معيِّنة؛ لتصحيح الحمل عليها، وسنستعرض أهمّ هذه القرائن في كلّ آية على حدة؛ ليتضح مدى قوتها لصـرف الإرث فيها عن معناه الحقيقي:
قرائن آية: (يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ)
ذكر علماء السنّة عدّة قرائن لإرادة غير المال من الإرث في قوله تعالى: (وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا)([131]).
 وأهمّ هذه القرائن، هي:
1 ـ سياق الآيات الكريمة: إنّ سياق الآيات الكريمة يدلّ على إرادة وراثة غير المال، وخصوصاً مع ملاحظة قوله تعالى: (وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ)؛ إذ إنّ نبي الله زكريّا(عليه السلام أجلّ قدراً من أن يخاف على ماله إلى ذلك الحدّ([132])، وقوله تعالى: (وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ)؛ إذ لا توجد رابطة إرثية قريبة تصحّح هذا الإرث، ومن هنا ذهب جلّ مفسـري السنّة إلى أنّ الموروث هنا هو النّبوّة([133])، وقوله تعالى: (وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا) الّذي يشير للصفة المعنوية لذلك الوارث، ممّا يتلاءم أكثر مع الإرث غير المالي([134]).
ويجاب عن هذه القرينة بعدّة أمور، منها:
أ‌ـ إنّ هذه القرينة غير صالحة لصـرف الإرث عن حقيقته، لأنّ سياق الآيات الكريمة الّتي حكت قصّة زكريّا(عليه السلام ودعاءه في طلب الولد يدلّ على الإرث المالي؛ فقد بيّن الله تعالى هذه القصّة ببيان آخر في سورة آل عمران، حيث قال تعالى: (فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زكريّا كلّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زكريّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ إنّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ هُنَالِكَ دَعَا زكريّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء)([135]).
فزكريّا(عليه السلام حينما شاهد تلك الحالة من مريم3 رفع يديه بالدّعاء لطلب الولد (هُنَالِكَ دَعَا زكريّا)، لذا لابدّ أن تكون هناك مناسبة بين دعاء زكريّ(عليه السلام وبين ما شاهده من حالة مريم (عليها السلام)، فلم يشاهد أمامه نبيّاً أو عالماً حتّى يتأثّر في نفسه ويدعو أن يرزقه الله تعالى ولداً مثله، وإنّما شاهد أمامه العبادة والصّلاح فدعا ربّه تعالى أن يرزقه ولداً يحمل هذه الصّفات؛ ليكون وريثاً له بدلاً من مواليه وبني عمومته؛ لأنّه عرف من ظاهر حالهم وخلائقهم وتصـرفاتهم أنّهم سيعيثون في الأرض فساداً بما سيرثونه.
فمن جهةٍ شاهد زكريّ(عليه السلام مريم العابدة الصالحة، ومن جهة أخرى شاهد بني عمومته الفسقة، فهناك هاجت نفسه ورفع يديه بالدّعاء رجاء أن يرزقه الله تعالى الولد العابد الصّالح ليكون وريثاً له بدلاً من بني عمومته.
والإرث الّذي خاف عليه زكريّا(عليه السلام هو شيء قابل للانتقال يصل بعد موته إلى بني عمومته، فسأل الله تعالى الولد حتّى يرثه، ويمنع من وصول ذلك الشّـيء لبني عمومته؛ ولذا جاء في دعائه7 أن يكون ذلك الولد مرضياً،كمريم لا كبني عمومته، لئلا ينتفي الغرض من دعائه.
ب ‌ـ ما ذكره علماء السنّة من الموروثات، كالنّبوة والعلم والحبورة والسّيرة الحسنة والملك، لا يمكن أن تكون مصدراً لخشية زكريّا(عليه السلام وإشفاقه؛ وذلك لمايلي:
إمّا لأنّها غير قابلة للانتقال كالنّبوّة والعلم، فلا يورَّثان، لأنّ النّبوّة أمرها بيد الله تعالى بشكلٍ كامل، والعلم من الأمور الاكتسابية الّتي تحتاج إلى الطّلب والجد والاجتهاد، فلا معنى لأن يخشى زكريّا(عليه السلام من أن يرث بنو عمومته الفسقة النّبوّة أو العلم، وقد صرّح بعض علماء السنّة باستحالة كون الموروث هو النّبوّة، فقد حكى القرطبي عن النّحّاس قوله: فأمّا قولهم وراثة نبوة فمحال؛ لأنّ النّبوّة لا تورّث، ولو كانت تورّث لقال قائل: النّاس ينتسبون إلى نوح(عليه السلام وهو نبي مرسل([136]).
وإمّا لأنّ حال موالي زكريّا7 يمنع من انتقاله ووصوله إليهم كالحبورة والسّيرة الحسنة، لأنّ الحبورة هي عبارة عن منصبٍ دينيٍّ رفيع المستوى يحتاج إلى مقدّمات كثيرة من طلب العلم والتّبتل والانقطاع إلى الله تعالى، وملازمة المعبد، ولا يحصل عليه كلّ أحد، لا سيّما إذا كانت سيرته شائنة، واشتهر بين النّاس بالسّلوك غير السّويِّ.
وكذا السّيرة الحسنة، فلا ينالها المرء بالإرث إطلاقاً وإنّما هي ثمرةٌ لإخلاص النّية والعمل الصّالح، لا سيّما وأنّ موالي زكريّا(عليه السلام لا يرتجى منهم صلاح السّـريرة، وحسن السّيرة، كما يظهر من خشية زكريّا7 وتضـرعه إلى الله تعالى بأن يرزقه الوليّ المرضيّ الصّالح بدلاً منهم، ومن هنا فلا معنى لأن يخشى زكريّا(عليه السلام من أن يرث هؤلاء هذا المنصب أو يرثوا سيرته الحسنة.
فبقي أن يكون هذا الموروث متقوّماً بالمال كالمُلْكِ، فإنّه لا يمكن أن نتصوّر ملكاً وسلطاناً ومقاماً دنيويّاً من دون مال وثروة وأملاك، فإذا كان زكريّا(عليه السلام إنّما خشـي من الموالي أن يضعوا أيديهم على هذا الملك فخشيته مبرَّرة حينئذٍ، خصوصاً مع الأخذ بعين الاعتبار أنّه وزوجته من أُسرة نبوية معروفة بالصلاح والزهد وحبّ الخير، ولها آيادي طولى في تربية المجتمع وتهذيبه، فمن غير اللائق بها أن يرثها فرد غير صالح ينغمس في اللذات الدنيوية مستغلاً اسم هذه العائلة الكبيرة.
ج ‌ـ خوف زكريّا7 الناشئ من إرث المال ووقوعه بيدٍ غير صالحةٍ وغير نزيهةٍ، له مُسَوِّغاتُهُ الّتي تنسجم وتتلاءم مع روح نبي الله زكريّا(عليه السلام، لأنّه على اطلاعٍ تامٍّ بمدى تأثير المال وقدرته العجيبة على التّغيير، فهو وسيلة مؤثرة ومقنعة بشكلٍ كبير قلّ من يَصْمُدُ أمامها، فبه تشترى الذمم والنفوس والأتباع والقوة والسلطان وغير ذلك؛ بل لعل أثره أعظم من الأثر المعنوي، فكم من صالح قد هجره النّاس لقلّة ذات اليد، وكم من ثري غني يعجُّ مجلسه بالأتباع والمريدين؛ ولذا لو وقع المال بأيدٍ منحرفة، فلا ينتظر منها إلا تسخيره في هدم القيم والمبادئ الصّالحة الّتي عمل الصّالحون ـ كزكريّا7 ـ من أجل ترسيخها في المجتمع، ومن هنا كان خوفه(عليه السلام وخشيته من وقوع هذه الوسيلة المؤثّرة بأيدٍ غير صالحةٍ مبرّراً وفي محله، ولا يتنافى مع نبوته ومقاماته المعنويّة.
د ـ من الأمور الّتي تؤيّد أنّ سياق الآية الكريمة يتلاءم مع الإرث المالي دون غيره هو تصريح بعض أعلام السنّة بأنّه(عليه السلام أراد إرث المال من قوله: (يَرِثُنِي) كمقاتل بن سليمان في تفسيره([137])، وابن جرير الطّبري في تفسيره أيضاً([138])، والسّمرقندي في تفسيره عن عكرمة والضحاك([139])، والثعلبي في تفسيره عن الحسن([140])، وابن الجوزي في تفسيره عن عكرمة وأبي صالح([141])، والسّلمي في تفسيره([142])، والآلوسي في تفسيره عن ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وأبي صالح([143])، وقال الرّازي في تفسيره: والأولى أن يحمل ذلك على كلّ ما فيه نفع وصلاح في الدّين، وذلك يتناول النّبوّة والعلم والسّيرة الحسنة والمنصب النّافع في الدّين والمال الصّالح، فإنّ كلّ هذه الأمور ممّا يجوز توفر الدّواعي على بقائها ليكون ذلك النّفع دائماً مستمراً([144]).
وهؤلاء الأعلام من الطّبقة الأولى من مفسـري السنّة، ولا يخفى عنهم السّياق الّذي ذُكر كقرينة على إرادة غير المال.
2‌ـ لزوم اللَّغوية ـ‌ اللَّغو‌ ـ : أنّ القول بكون المراد من الإرث هو المالي يستلزم اللّغوية في القرآن الكريم وحاشاه عن ذلك، إذ لا فائدة من الإخبار عنه حينئذٍ، فمن الواضح أنّ الولد يرث والده، فلا بدّ أن يراد به إرث خاصّ غير الإرث المالي، حتّى يصحّ الإخبار عنه([145]).
ويجاب عن هذه القرينة بما حاصله:
إنّ قرينة (لزوم اللَّغْوِيَّة) هي من أضعف القرائن الّتي تذكر في المورد لصرف معنى الإرث عن الإرث المالي، لأنّه يمكن الخروج عن اللغويّة وصيانة كلام الحكيم عنها بإبراز أقل الوجوه، وإلا لورد الإشكال على كثير من الآيات الكريمة، كقوله تعالى: (وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا)([146])؛ إذ قد يقال إنّه لا فائدة من التعليل حينئذ لوضوحه، فمن المعلوم أنّ هذه الحيوانات تستعمل في ذلك، فلا بدّ في رفع الإشكال أن يقال مثلاً بأنّ المقصود من (لِتَرْكَبُوهَا) معنى آخر غير المعنى الذي يفهم منه.
ومن هنا ذكر مفسـرو السنّة أنّ الوجه وراء هذا التّعليل المذكور في آية الخيل والبغال هو التّنبيه على الفرق بين الحيوانات وأنّ بعضها يؤكل وبعضها يركب([147])، فهذا الوجه يكفي في توجيه استعمال (لِتَرْكَبُوهَا) في الآية الكريمة بمعناها الحقيقي، وإخراج الكلام عن اللَّغويّة.
ويمكن أن يقال إنّ الوجه في مسألة زكريّا(عليه السلام هو أنّه بعد أن ذكر خوفه من الموالي بيّن المقصود الأصلي والحاجة الضروريّة لهذا الوليّ الصّالح، وهو أن يكون الوارث لما تحت يده من المال دون سائر الأمور الأخرى من المساعدة والإعانة وما شاكل، فزكريا7 كان بحاجة لهذا الولي ليرثه، لا ليساعده أو يعينه على أمور دنياه في أواخر عمره الشّريف.
وهذا الوجه يكفي لإخراج الإخبار بالإرث عن اللغويّة المزعومة، وهو ليس بأقلّ من الوجه المذكور لإخراج التّعليل بـ(لِتَرْكَبُوهَا) عن ما قد يدعى من اللغويّة في الآية المتقدِّمة.
3‌ـ النّصوص التاريخية: إنّ زكريّا(عليه السلام لم تكن له أموال حتّى يحتاج إلى وارث يرثها من بعده، فإنّ كتب التّاريخ التي تعرّضت لحال زكريّا7 أشارت إلى أنّه كان فقيراً يمتهن النّجارة([148]).
ويجاب عن هذه القرينة بما حاصله:
إنّ دعوى كون زكريّا(عليه السلام لم تكن له أموال هو رجم بالغيب، وما ذكر من الشّواهد لا تعدو كونها أخبار آحاد لا تكفي لصرف الآية الكريمة عن ظهورها، ويعارضها أمران أساسيان ثابتان بالنصّ القطعي، يشهدان على أنّ زكريّا7 كانت بيده مصادر ماليّة أساسيّة كبيرة، وهذان الأمران هما:
أ ‌ـ رئيس الأحبار: إنّ المتّفق عليه بين المـفسِّرين والمؤرِّخين هو أنّ زكريّا(عليه السلام (كان رأس الأحبار)([149])، ومن المعلوم أنّ الحبورة كانت مؤسّسة دينيّة وجهازاً يضمّ تحت مظلته أعداداً كبيرة من رجال الدّين وخدمة المعابد، وكان لها سلطات واسعة وموارد ماليّة كبيرة لتسيير أمورها تحصل عليها إمّا من الحكومات القائمة آنذاك، أو من الهدايا والنّذورات والقرابين، بل قد يقال: إنّ لها مصادر ماليّة مستقلة وثابتة من قبيل الأراضي الزّراعية والثّروة الحيوانيّة، فإذن كانت تحت يديه7 أموال عامة خشـي أن تقع بيد بني عمومته من بعده.
ب ‌ـ ارتباطه بأسرة سليمان بن داوود8 المعروفة بالثراء والملك: الّذي عليه أكثر مفسّـِري السنّة هو أنّ زوجة زكريّا7 كانت أخت مريم بنت عمران3، وكانت من ولد سليمان بن داوود وكان نسبها يتصل بيعقوب بن إسحاق بن إبراهيم7، حيث قال الرّازي: اتفق أكثر المفسـرين على أنّ يعقوب ههنا هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم7؛ لأنّ زوجة زكريّا هي أخت مريم، وكانت من ولد سليمان بن داوود، من ولد يهوذا بن يعقوب([150]). فالمراد من (آل يعقوب) في الآية الكريمة ليس شخص يعقوب7، ولا جميع آل يعقوب وإنّما بعضهم كما هو واضح، وهي زوجة زكريّا7، وعليه فيكون معنى قوله تعالى: (وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ)، هو يرثني ويرث امرأتي وهي بعض آل يعقوب.
ومن الواضح أنّ أسرة سليمان بن داوود أسرة عريقة معروفة بالثّراء والملك، فلا شكّ في عظمة ملك سليمان وثروته كما حكاها القرآن الكريم، كما لا شكّ في أنّ مثل هذه الثّروة العظيمة لا تفنى إلى قرون مديدة، بل إنّها ربّما تتوسّع بمرور الأيام فيما لو وقعت بأيدٍ صالحة كورثة سليمان(عليه السلام.
ولا منافاة في ذلك مع النّبوّة، إذ إنّ أصل الثّروة والملك كانا ثابتان لنبي الله سليمان(عليه السلام بنصّ القرآن الكريم، بل إنّه(عليه السلام دعا الله تعالى ليرزقه ذلك، وقد استجاب عزّ وجلّ له دعاءه، كما حكى ذلك في قوله تعالى: (قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ * فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاء حَيْثُ أَصَابَ * وَالشَّيَاطِينَ كلّ بَنَّاء وَغَوَّاصٍ * وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ * هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ)([151]).
ولا شكّ في أنّ ورثة سليمان(عليه السلام قد استعملوا هذه الثّروة في أعمال البرّ والصّلاح، كما هو ديدن أولاد الأنبياء: وأحفادهم، وليس هناك دليل على انحرافهم وفسقهم، وكما يقال: (عدم الدّليل دليل على العدم)، بل هناك احتمال أنّه من الممكن أنّهم قاموا بتطويرها وتوسعتها على مرّ الأيام حتّى وصل الأمر إلى أحد أحفادهم الصالحين، وهي زوجة زكريّا(عليه السلام.
والحاصل أنّ زكريّا(عليه السلام كان له مصدران أساسيان للمال والثّروة والملك، وهما الحبورة باعتباره رئيس الأحبار، وزوجته باعتبارها من أسرة سليمان بن داوود.
ولا يبعد أن يقال: إنّ قوله تعالى: (وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا)، بحدّ ذاته قرينة على وجود أموال تحت يد زكريّا(عليه السلام، بل يمكن القول إنّها أموال طائلة كانت ستغير كثيراً من الأمور، فيما لو وقعت بأيدٍ غير أمينة.
قرائن آية: (وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُودَ)
ذكر علماء السنّة عدّة قرائن لإرادة غير المال من الإرث في قوله تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الّذي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ * وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النّاس عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كلّ شَيْءٍ إنّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ)([152]).
1‌ـ سياق الآية الكريمة: الآية الكريمة مسبوقة وملحوقة بقرائن متصلة تدلّ على أنّ المراد بالإرث غير الإرث المالي، وخصوصاً مع ملاحظة تقدّم قوله تعالى: (عِلْمًا) على قوله تعالى: (وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ)، وتأخر قوله: (عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ) عنه، فإنّه يتناسب مع النّبوّة والعلم؛ إذ الآية الكريمة تنصّ على أنّه تعالى قد آتى داوود علماً خاصّاً، ثمّ أخبر أنّ سليمان قد ورث داوود، ثمّ قال عزّ وجلّ على لسان سليمان أنّهم علّموا منطق الطّير، وبضمّ هذه القرائن المتصلة بعضها إلى البعض يصبح المعنى واضحاً، وهو أنّ الله تعالى قد آتى داوود علماً خاصّاً وأنّ سليمان قد ورثه منه([153]).
ويجاب عن هذه القرينة بما حاصله:
تقدّم مفصّلاً أنّ الإرث لا يتحقّق على سبيل الحقيقة إلّا في المال، ويستعمل تجوّزاً وتوسّعاً في النّبوّة والعلم وغيرهما، ولا يصار إلى المعنى المجازيّ إلّا في صورة وجود مانع يمنع من الحمل على الحقيقة، وهو مفقود في المورد؛ إذ لا ضير من حمل التّوريث في الآية الكريمة على المال، وأنّه ورث ذلك من داوود مضافاً إلى العلم والملك، خصوصاً مع ملاحظة ذيل الآية الكريمة، أعني قوله تعالى: (وَأُوتِينَا مِن كلّ شَيْءٍ)، فإنّه صريح الدّلالة على أنّ الله تعالى قد آتى سليمان(عليه السلام كلّ شيء من المال والملك والسّلطان والعلم والنّبوة،. مضافاً إلى أنّ سليمان(عليه السلام كان نبيّاً عالماً في زمان داوود(عليه السلام، بل كان أكثر علماً منه، كما يدلّ عليه قوله تعالى: (وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكلّاًّ آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا)([154])، فالآية صريحة الدّلالة على أنّ سليمان(عليه السلام كان نبيّاً في زمان أبيه داوود(عليه السلام، وأنّ الله تعالى قد فهّمه علماً لم يُفَهِّمْه لداوود(عليه السلام.
بل هذه الآية والآيات الّتي بعدها تدلّ دلالة صريحة على أنّ الله تعالى قد آتى داوود وسليمان, العلم والحكم، قال تعالى: (فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكلّاًّ آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ * وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُم مِّن بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ * وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الّتي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكلّ شَيْءٍ عَالِمِينَ * وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ)([155]).
فقد صرّحت الآية الكريمة بأنّ الله تعالى قد وهبهما العلم والحكم، وأنّ هناك علماً مشتركاً بينهما، وهو منطق الطّير، كما دلّ عليه قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النّاس عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ)([156])، كما أنّ هناك خصوصيات لكلّ واحد منهما، حيث اختُصّ داوود(عليه السلام بتسخير الجبال للتسبيح معه، وتليين الحديد له، فكان يصنع من الدّروع والسّيوف وآلات الحرب، بينما اختُصَّ سليمان(عليه السلام بجري الرّيح العاصفة بأمره وتسخير الشّياطين له.
والأمر المشترك بين هذه الأمور هو أنّها أمور خاصّة يهبها الله تعالى بفضله وكرمه لبعض خلقه من الأنبياء:.
وأيضاً ظاهر قوله تعالى: (فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ)([157])، هو أنّ الله تعالى قد وهب سليمان7 علماً خاصّاً لم يهبه لأحد قبله حتّى داوود7، وأنّه قد فضله الله تعالى بمزية الفهم، فقد قال القرطبي حكاية عن جماعة: حملوا قوله: (فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَعلى أنّه فضيلة له على داوود، وفضيلته راجعة إلى داوود، والوالد تسرّه زيادة ولده عليه([158]).
مضافاً إلى أنّ العلم هو من الأمور الاكتسابيّة التي لا تحصل إلّا بالجد والطّلب، ولو فرضنا أنّه يقبل الانتقال بنوع من العناية، فهو إنّما يصحّ في هذا العلم الفكري الاكتسابي، بينما العلم الذي يختصّ به الأنبياء والرّسل: هو كرامة وهبة من الله لهم:، وليس ممّا يكتسب بالفكر، فالنّبيّ لا يرث علمه من نبيّ آخر، ولا من غير نبيّ.
وقد يكون ذلك هو السبب في حمل جلّ مفسّـِري السنّة([159]) الموروث في الآية الكريمة على النّبوّة أو الملك دون العلم، إذ لا معنى لوراثته العلم كما مرّ آنفاً، مع وجود شواهد قوية على أنّه كان أعلم من والده كما تقدّم.
وعليه، فبما أنّه لا يمكن أن يكون العلم هو الشـّيء الموروث، وتقدّم عدم إمكان حمله على النّبوّة([160])، وأنّ سليمان(عليه السلام كان نبياً في زمان والده داوود(عليه السلام، وأنّ قوام الملك بالمال؛ فتعين أن يكون المراد من الموروث هو المال لا غير، وسياق الآية الكريمة لا يمنع من حمله عليه.
ويؤيّد ذلك أنّ مذهب بعض مفسّـِري السنّة في قوله تعالى: (إِذْ عُرِضَ عَلَيْه بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ)، هو أنّها كانت عبارة عن خيل ورثها سليمان(عليه السلام من أبيه داوود(عليه السلام، فقد قال مقاتل ضمن بيانه للآية الكريمة الآنفة: وذلك أنّ سليمان (عليه السلام) صلّى الأولى، ثم جلس على كرسيه لتعرض عليه الخيل وعلى ألف فرس كان ورثها من أبيه داوود (عليه السلام)، وكان أصابها من العمالقة، فعرض عليه منها تسع مائة، فغابت الشمس ولم يُصلّ العصر ([161]).
وذكر مثله النسفي وابن العربي والآلوسي في تفاسيرهم([162]).
وقد نسب الغرناطي([163]) ذلك إلى الجمهور، حيث قال: واختلف النّاس في قصص هذه الآية، فقال الجمهور: (إنّ سليمان(عليه السلام عرضت عليه خيل كان ورثها عن أبيه)، وقيل: (أخرجتها له الشياطين من البحر، وكانت ذوات أجنحة، وكانت ألف فرس، وقيل: أكثر)، فتشاغل بالنظر إليها حتّى غربت الشّمس، وفاتته صلاة العشى (العصـر)([164]) فأسف لذلك وقال: (ردّوا عليّ الخيل) وطفق يضـرب أعناقها وعراقيبها بالسّيف حتّى عقرها لمّا كانت سبب فوات الصّلاة([165]).
وحكى ذلك العيني في (عمدة القاري)، والثّعلبي والبغوي في تفسيريهما، عن مقاتل، أنّه قال: ورث سليمان عن أبيه داوود ألف فرس...([166]).
2‌ـ تخصيص سليمان(عليه السلام بالذكر: إنّ تخصيص سليمان بالذكر يدلّ على أنّه ورث من داوود إرثاً خاصّاً غير المال، وإلّا فلا وجه لهذا التّخصيص، إذ إنّ داوود كان له أولاد آخرون غير سليمان([167]).
ويجاب عن هذه القرينة بما حاصله:
إنّ ما ورد من أخبار وأقوال في أنّ لداوود(عليه السلام أولاداً لا تعدو كونها أخبار آحاد لا تكفي لمنع ظهور الآية الكريمة في ميراث المال، خصوصاً وأنّها من آيات الأحكام، فقد ذكرت تلك الأخبار مرسلة في كتب التّاريخ والتّفسير([168])، ولم نقف على مصدر مسند لها.
ولم يردّ من طرق الشّيعة إلّا رواية واحدة، رواها الشّيخ الكليني في كتابه (الكافي)، بسنده عن الإمام أبي عبد الله الصّادق(عليه السلام، في رواية طويلة، قال: «وكان لداوود(عليه السلام أولاد عدّة»([169])، وقد وقع في سندها بكر بن صالح، ومعلى بن محمد، وعيثم بن أسلم.
فأمّا بكر بن صالح فقد ضعّفه النّجاشي وابن الغضائري([170])، وأمّا معلى بن محمد فهو مضطرب الحديث والمذهب([171])، وأمّا عيثم بن أسلم فهو مجهول، إذ لم يردّ فيه توثيق في كتب الرجال([172]).
مضافاً إلى إخبار الحقّ تعالى في قوله: (وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ) أنّ من جملة نعمه على داوود(عليه السلام أنّه وهب له ولداً هو سليمان(عليه السلام، وظاهر ذلك أنّه لم يكن له ولد سواه.
وعلى فرض وجود أولاد لداوود(عليه السلام فالوجه في تخصيص سليمان(عليه السلام بالذّكر هو وجود الخصوصية الّتي ميّزت إرثه المالي عن إرث سائر إخوته، وهي أنّه ورث مضافاً للمال ملك داوود7 وسلطانه دونهم، وتقدّم أنّ قوام الملك والسّلطان بالمال.
وأجاب العلّامة التّستري عن القرينة المذكورة بجواب آخر، حيث قال: لو أراد باختصاص سليمان بالإرث الاختصاص الذِّكْرِي، فهو لا ينفي إرث غيره من إخوته، وإن أراد به الاختصاص الحصري، فالآية خالية عنه([173]).
3 ـ لزوم اللَّغوية ـ‌ اللَّغو ‌ـ : وهي عين القرينة المذكورة في الآية السّابقة من لزوم اللّغْوِيّة في الكتاب الكريم، فقد قال ابن‌كثير في بيان قوله تعالى: (وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ): أي في النّبوّة؛ إذ لو كان في المال... لما كان في الإخبار بذلك كبير فائدة، إذ من المعلوم المستقر في جميع الشّرائع والملل أنّ الولد يرث أباه، فلولا أنّها وراثة خاصّة لما أخبر بها([174]).
ويجاب عن هذه القرينة بما حاصله:
الوجوه التي ذكرها جمهور علماء السنّة لتفسير الشّـيء الموروث في الآية الكريمة هي النّبوّة والعلم والملك، وغير ذلك من الوجوه التي مرّ ذكرها والجواب عنها، وقد أختار ابن كثير منها النّبوّة([175])، واختار الآلوسي منها النّبوّة والعلم([176]).
وقد تقدّم أنّ أوهن الوجوه هو حمل الموروث على النّبوّة أو العلم، لأنّهما غير قابلين للانتقال، فلا يورَّثان؛ بل النّبوّة أمرها بيد الله تعالى بشكل كامل، قال تعالى: (وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ)([177])، فلا تنال بالإرث والعلم من الأمور الاكتسابيّة الّتي تحتاج إلى الطّلب والجد والاجتهاد، فلا معنى لأن يخشى زكريّا(عليه السلام من الموالي أن يرثوهما، وقد صرّح بعض علماء السنّة باستحالة كون الموروث هو النّبوّة كما حكى ذلك القرطبي في تفسيره عن النّحّاس([178]).
وبقية الوجوه أوهن من ذينك الوجهين كما تقدّم، وبعد إبطال كلّ ما قيل من الوجوه في الآية الكريمة بالدّليل الواضح يبقى القول بأنّ المراد من الموروث هو المال أقرب الوجوه المتصوّرة، ولا يمكن دفعه بإبداء بعض الاستبعادات الضعيفة، من قبيل ما ذكره ابن كثير والآلوسي في المقام؛ إذ مضافاً إلى أنّ أقلّ الوجوه يكفي في خروج الكلام عن اللَّغويّة، يمكن أن يذكر في الباب وجهٌ معقولٌ آخر لتوجيه تخصيص سليمان(عليه السلام بالذكر من دون سائر إخوته ـ على فرض أنّ له إخوة ـ وهو أن يقال: إنّ خصوصية إرث سليمان(عليه السلام من داوود(عليه السلام هو عدم اقتصاره على المال فقط، وإنّما ورث ملكه وسلطانه دون سائر إخوته، وبيّنا سابقاً أنّ الملك والسّلطان متقوّمان بالمال.
وحاصل الكلام يتّضح من خلال ما تقدّم أنّ كلّ تلك القرائن المذكورة في الآيتين الكريمتين المتقدِّمتين، لا تكفي
لرفع اليد عن المدلول الحقيقي أو المتيقّن من الإرث الذي هو المال.
فلم تبقَ قرينة صالحة في المقام لصـرف الإرث عن مدلوله الحقيقي أو تعيين أحد المعاني الأخرى له إلّا حديث أبي بكر.
وقد صرّح جماعة من علماء السنّة بأنّ الدّاعي لتأويل تلك الآيات الكريمة وحملها على غير الإرث المالي هو دلالة
الحديث الصّحيح ـ حسب دعواهم ـ على أنّ الأنبياء: لا يورِّثون([179]).
لكن هذا الحديث هو أصل كلامنا، مضافاً إلى أنّه لو كانت هذه القرينة ـ حديث أبي بكر ـ ناظرة لتلك الآيات الخاصّة لكان الأنسب أن تأتي ضمن تلك الآيات أو أثناء حياة النّبيّ(صلي الله عليه و آله و سلم) على أقلّ تقدير، ولم يذكر أحد من علماء التّفسير والتّاريخ والحديث أنّ الرّسول(صلي الله عليه و آله و سلم) قال ذلك الحديث بعد نزول آية من آيات الإرث الخاصّة أو العامّة، وقد كان المقام يناسب ذلك، بمعنى إنّه كان ينبغي للرسول(صلي الله عليه و آله و سلم) عند نزول إحدى تلك الآيات الكريمة المتعلقة بالإرث أن يبينها بكلّ تفاصيلها ـ لا سيّما لأهل بيته: وأصحابه ـ ويشـرح لهم المقصود منها، ويوضح لهم أحكام الإرث بكلّ فروعه عملاً بمقتضـى قوله تعالى: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)([180]).
لكن بدل ذلك نجد أبا بكر يفاجئ أهل بيت النّبيّ(صلي الله عليه و آله و سلم) بذلك الحديث بعد رحيل الرّسول(صلي الله عليه و آله و سلم)، ويرفض الاستماع اليهم وهم عدل القرآن الكريم بالرغم من محاولاتهم الحثيثة لثنيه عن رأيه، وكأن الرّسول(صلي الله عليه و آله و سلم) قد أوصى به في حديث الثقلين لتجنّب الضلال، وهذا من الأمور الغريبة التي تشكّك في أصل صدوره.
أضف إلى ذلك أيضاً إلى أنّ ذلك الحديث لم يروه في زمان أبي بكر أحد غيره وغير ابنته أم المؤمنين عائشة([181])، وإنّما رواه البعض في زمان عمر، وهذا يقوِّي في النّفس أنّ رواية هؤلاء كانت وفق قاعدة حسن الظّن بالصحابة وأنّهم لم يسمعوه من رسول الله(صلي الله عليه و آله و سلم) بل اعتمدوا في روايتهم على قول أبي بكر من أنّه سمعه من الرّسول(صلي الله عليه و آله و سلم).
تنبيه
يمكن أن يقال ـ مع ملاحظة القرائن المذكورة سابقاً وما ذكر في جوابها من وجوه ـ أنّه لا مانع من إرادة الميراث المادي والمعنوي معاً، وأن يكون المقصود هو أنّ هذا الوارث هو من يتبوّأ مكان أبيه ويحصل على كلّ ما له من حقٍّ ماديٍّ ومعنويٍّ، فيكون الامتداد له في كلا الأمرين، ومن هنا نعتقد أنّ الذين حملوها على معنى دون معنى قد لَحظُوا جنبةً خاصّةً منها،
وهذا الرّأي يظهر من بعض كلمات أعلام السنّة، كالفخر الرّازي في تفسيره، حيث قال: الأولى أن يحمل ذلك على كلّ ما فيه
نفع وصلاح في الدين، وذلك يتناول النّبوّة والعلم والسّيرة
الحسنة والمنصب النّافع في الدّين والمال الصّالح، فإنّ كلّ هذه الأمور ممّا يجوز توفّر الدواعي على بقائها ليكون ذلك النفع دائماً مستمراً ([182]).
 
آيات الإرث العامّة
ورد في القرآن الكريم العديد من الآيات الكريمة الّتي تناولت مسألة الإرث وأحكامه بشكل مطلق وعامّ دون أن تستثني أحداً حتّى الأنبياء والرسل:، كقوله تعالى: (لِلذَّكَرِ مِثْل حَظِّ الأُنثَيَيْنِ)([183])، وقوله تعالى: (أُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ إنّ اللهَ بِكلّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)([184]).
ولا يوجد مخصّص قرآني لهذه الآيات الكريمة، وتخصيصها بالحديث النبوي يتمّ بعد الفراغ من حجّيته على مستوى الصّدور والدّلالة، وهو مفقود في المقام على ما سيأتي بيانه في جواب الشبهة الآتية.
شبهة: تخصيص آيات الإرث العامّة بحديث (لا نورِّث)
لا خلاف في جواز تخصيص آيات الذكر الحكيم بالسنة الصحيحة، وعليه فيكون حديث (لا نورِّث) الصـريح في دلالته على عدم إرث الانبياء مخصصاً لآيات الإرث العامة الدالة بعمومها على إرثهم.
الردّ علي الشبهة: عدم الفراغ من حجية حديث (لا نورِّث)
لقد توفّي رسول الله(صلي الله عليه و آله و سلم) والمسلمون لا يعرفون مخصّصاً لهذه الآية الكريمة بما فيهم بيت النّبوّة:، لكن هذا المخصّص قد أطلّ على لسان أبي بكر من دون سابق إنذار بعد مطالبة الزّهراء3 له بإرث والدها الرّسول9، مدّعياً أنّه سمع الحديث من النّبيّ(صلي الله عليه و آله و سلم)، ففتح ذلك الباب أمام علماء السنّة لتخصيص تلك الآيات الكريمة بهذا الحديث.
ولا شكّ في أنّ المخصّص إنّما يكون صالحاً للتخصيص بعد الفراغ من حجّيته على مستوى الصّدور والدّلالة، والخبر المذكور فاقد لكلا الأمرين، أمّا الصّدور فنحن بصدد ذكر القرائن والشّواهد التي تخدش بصدوره، وأمّا الدّلالة فقد نوقش في قوله: «ما تركنا صدقة»([185])؛ إذ يحتمل أن تكون (ما) موصولة بمعنى (الذي)، وقد قرّر هذا الوجه الرّازي في تفسيره، حيث قال: يحتمل أنّ قوله: «ما تركناه صدقة»، صلة لقوله: «لا نورِّث»، والتّقدير: إنّ الشّـيء الّذي تركناه صدقة، فذلك الشّيء لا يورِّث([186]).
وقد يشكل على هذا المعنى بأنّه لا تبقى خصوصية للأنبياء: حينئذ، لأنّ جميع النّاس إذا تركوا شيئاً صدقة فلا يتعلق به الإرث.
والجواب عن ذلك أنّ الخصوصية هي احتمال افتراق صدقة الأنبياء: عن سائر النّاس، وأنّ الأنبياء: بمجرّد وقوع العزم منهم على التّصدّق بالشّـيء، فإنّه يخرج من ملكهم ويصبح صدقة.
وقد قرّر هذا الإشكال وجوابه الفخر في تفسيره أيضاً، حيث قال: فإن قيل: فعلى هذا التقدير لا يبقى للرسول خاصّية في ذلك، قلنا: بل تبقى الخاصّية لاحتمال أنّ الأنبياء إذا عزموا على التّصدق بشـيء فبمجرّد العزم يخرج ذلك عن ملكهم ولا يرثه وارث عنهم، وهذا المعنى مفقود في حقّ غيرهم([187]).
ولم يذكر الرّازي جواباً بعد تقريره لذلك الوجه، وهو احتمال كون (ما) موصولة، وغيره من الوجوه إلّا قوله: إنّ فاطمة3 رضيت بقول أبي بكر بعد هذه المناظرة، وانعقد الإجماع على صحّة ما ذهب إليه أبو بكر، فسقط هذا السّؤال، والله أعلم([188]).
وضعف هذا الجواب واضح، إذ إنّ ما في الصحيح صريح الدلالة على أنّ فاطمة3 توفّيت وهي غاضبة وساخطة على أبي‌بكر([189])، فمتى رضيت عنه حتّى يتحقّق الإجماع المزعوم؟!
وقد يناقش في ظهور صدر الحديث أيضاً «نحن معاشر الأنبياء لا نورِّث» في نفي توريث الأنبياء:، إذ قد يكون المقصود هو أنّ ذلك من سيرتهم وفعلهم: لا أنّهم لا يورِّثون مطلقاً؛ كما احتمل ذلك ابن عطيّة على ما حكاه عنه القرطبي في تفسيره، حيث قال: ويحتمل قولهe: «إنّا معشـر الأنبياء لا نورِّث» ان يريد أنّ ذلك من فعل الأنبياء وسيرتهم، وإن كان فيهم من ورَّث ماله، كزكريا على أشهر الأقوال فيه، وهذا كما تقول: (إنّا معشـر المسلمين إنّما شغلتنا العبادة)، والمراد أنّ ذلك فعل الأكثر، ومنه ما حكى سيبويه: (إنّا معشـر العرب أقرى النّاس للضيف)([190]).
ومع هذا الوجوه فلا ينهض ما ذكر من حديث أبي بكر لتخصيص تلك العمومات.
شبهة: رواية (لا نورِّث) مروية في مصادر الشيعة
إنّ رواية «لا نورِّث، ما تركناه صدقة» مروية في كتب الشّيعة أنفسهم نصّاً ومضموناً([191]).
 
المناقشة في الرواية المروية في مصادر الشيعة
حتّى تتبيّن الحقيقة في المقام نورد أوّلاً الرّوايات المشار إليها، مع ما يمكن أن يقال فيها:
1 ـ رواية عبد الله بن ميمون القداح
روى محمد بن الحسن الصفّار في البصائر عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن السعيد، عن حمّاد بن عيسى، عن عبد الله بن ميمون القدّاح، عن أبي عبد الله عن أبيه (عليهما السلام)، قال: قال رسول الله: «من سلك طريقاً يطلب فيه علماً سلك الله تعالى به طريقا إلى الجنة، وإنّ الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً به، وإنّه ليستغفر من في السماوات ومن في الأرض حتى الحوت في البحر، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر النجوم ليلة البدر، وإنّ العلماء لورثة الأنبياء، إنّ الأنبياء لم يورثواً ديناراً ولا درهماً إنّما ورثوا العلم»([192]).
ورواه الشيخ الكليني في الكافي عن محمد بن الحسن وعليّ بن محمد، عن سهل بن زياد ومحمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، جميعاً عن جعفر بن محمد الأشعري، عن عبدالله بن ميمون القدّاح، عن أبي عبد الله(عليه السلام، وقد زاد فيه: «فمن أخذ منه أخذ بحظٍّ وافرٍ»([193]).
ورواه عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن حمّاد بن عيسى، عن القدّاح، عن أبي عبد الله(عليه السلام، نحوه([194]).
ورواه الشيخ الصدوق في الأمالي عن الحسين بن إبراهيم، قال: حدثنا عليّ بن إبراهيم، عن أبيه إبراهيم بن هاشم، عن عبد الله بن ميمون، عن الصادق جعفر بن محمد، عن أبيه، عن آبائه:، نحوه([195]).
ورواه في ثواب الأعمال عن أبيه، قال: حدثني عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن عبد الله بن ميمون القدّاح، عن أبي عبدالله(عليه السلام، عن آبائه:، نحوه([196]).
ورواه العلامة المجلسـي في البحار عن الأمالي وثواب الأعمال للشيخ الصدوق وبصائر الدرجات للصفار بنفس الإسناد المتقدّم([197]).
2 ـ رواية أبي البختري
 روى محمد بن الحسن الصفار في البصائر عن أحمد بن محمد، عن محمد بن خالد، عن أبي البختري، عن أبي عبدالله(عليه السلام، أنّه قال: «إنّ العلماء ورثة الأنبياء؛ وذلك أنّ الأنبياء لم يورثوا درهماً ولا ديناراً وإنّما ورثوا أحاديث من أحاديثهم، فمن أخذ شيئاً منها فقد أخذ حظاً وافراً، فانظروا علمكم هذا عمّن تأخذونه، فإنّ فينا أهل البيت في كلّ خلفٍ عدولاً ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين»([198]).
ورواه في البصائر أيضاً من طريق سندي بن محمد، عن أبي البختري، عن أبي عبد الله(عليه السلام، نحوه([199]).
ورواه الشيخ الكليني في الكافي عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن خالد، عن أبي‌البختري، عن أبي عبد الله(عليه السلام، نحوه([200]).
ورواه العلامة المجلسـي في البحار عن بصائر الدرجات بنفس السند المتقدّم([201]).
المناقشة
إنّ أسانيد الروايتين المتقدمتين وإن كانت جيدة لكن لا دلالة فيهما على عدم الإرث المالي للأنبياء:، وإنّما هما واردتان في بيان فضيلة العلم والعلماء، وأنّ الأنبياء: لم يتركوا درهماً ولا ديناراً ليورّثوهما؛ إذ لم يكن همّهم جمع الأموال الّذي هو ديدن أهل الدّنيا، وإنّما همّهم وديدنهم وشأنهم هو العلم، وقد تركوا علماً وأحاديث ورّثوها للعلماء تورِيث تعلُّم؛ لذلك قال الامام في حديثه: «فمن أخذ بشـيء منها فقد أخذ حظّاً وافراً» وهذا لا يتنافى مع توريثهم: لذويهم ما كان في أيديهم من الضرورات التي يحتاجون إليها في حياتهم ومعاشهم.
فقوله: «لم يورِّثوا ديناراً ولا درهماً ولكن ورَّثوا العلم» هو جملة خبريّة تحكي عن أمر تكوينيّ مفاده انتقال علوم الأنبياء: إلى العلماء، ولا يمكن أن يكون جملة إنشائية بصدد إنشاء حكم شرعيّ؛ لأنّ الجعل والتّشـريع بالجملة الإنشائية إنّما يكون في الأمور التي يمكن جعلها بالإنشاء اللفظي كالولاية والقضاء وما إلى ذلك وأمّا العلم والحديث والتّحلّي بالفضائل التي هي من أوضح ما أورثوه:، فلا تحصل إلا ببذل الجهد والاكتساب، كما هو واضح.
وحصر ما أورثوه بالعلم والحديث هو في الواقع حصـرٌ إضافيٌّ في مقابل الدرهم والدينار، وليس هو حصـراً حقيقياً؛ إذ إنّهم: لم يورِّثوا العلم والحديث فقط، بل ورَّثوا أموراً غيرهما من الزّهد والتّقوى وما شاكل ذلك.
ومن هنا فالظّنّ([202]) بأنّ معنى رواية الشّيخ الكليني هو نفس مفاد حديث (لا نورِّث)، هو ظنٌّ باطلٌ نابعٌ من قلّة التدبّر والإمعان في معنى الروايتين، هذا مع اختلاف لفظيهما، فإنّ رواية الكليني تقول: «لم يورّثوا» أي أنّهم لم يكونوا يملكون شيئاً ليورِّثوه، بينما رواية البخاري تقول: «لا نورِّث»، أي أنّهم ليس من حقّهم التّوريث، والفرق بين المعنيين ظاهر.
مع أنّه قد يقال: إنّ رواية البخاري ناظرة للحكم، فهي تريد أن تبيِّن حكم الإرث بالنسبة للنبي(صلي الله عليه و آله)، بينما رواية الكليني ناظرة للموضوع، فهي تريد بيان ورثة الأنبياء: حيث وسَّعت هذا الموضوع فأضافت العلماء إلى الورثة مع فقدان الصلة النَّسبية بينهم وبين الأنبياء:، ولم تحصـر توريث الأنبياء: بهذا المصداق وإنّما أضافته إلى بقيّة الورثة مع أنّهم يرثون من الأنبياء: العلم والحديث فقط.
فلسان هاتين الروايتين وأمثالهما هو الإشارة إلى فضيلة العلم ومنزلة العالم، وأنّ أصحاب الأنبياء: يجب أن يجدّوا في طلب العلم والأخلاق والفضيلة والسيرة الحسنة حتّى يكونوا كالأنبياء: علماً وأخلاقاً وسيرةً، ليقوموا بدورهم من بعدهم في تزكية الأمّة وتعليمها الكتاب والسنّة، لا أن ينتهزوا فرصة صحبتهم ويستغلّوها للأغراض الدنيوية من جمع المال والحرص على تحصيل المقام والجاه.
 
3 ـ رواية بنت أبي رافع
روى الشيخ الصدوق في الخصال عن الحسن بن محمد بن يحيى العلوي، قال: حدثني جدي، قال: حدثنا الزبير بن أبي‌بكر، قال: حدثني إبراهيم بن حمزة الزبيري، عن إبراهيم بن علي الرافعي، عن أبيه، عن جدته بنت أبي رافع، قالت: أتت فاطمة بنت رسول الله(صلي الله عليه و آله و سلم) بابنيها الحسن والحسين(عليهما السلام) إلى رسول اللهفي شكواه الذي توفّي فيه، فقالت: «يا رسول الله هذان ابناك فورّثهما شيئاً، قال: أمّا الحسن فإنّ له هيبتي وسؤددي، وأمّا الحسين فإنّ له جرأتي وجودي»([203]).
ورواه في الخصال أيضاً عن الحسن بن محمد بن يحيى العلوي، حيث قال: حدثني جدي، قال: حدثني محمد بن عليّ، قال: حدثنا عبد الله بن الحسن بن محمد وحسين بن عليّ بن عبدالله بن أبي رافع، قال: أخبرني أبي عن شيخ من الأنصار، يرفعه إلى زينب بنت ابن أبي رافع، عن أُمّها، قالت: قالت فاطمة3: «يا رسول الله هذان ابناك فنحّلهما، فقال رسول‌الله(صلي الله عليه و آله و سلم)أمّا الحسن فنحّلته هيبتي وسؤددي، وأمّا الحسين فنحّلته سخائي وشجاعتي»([204]).
المناقشة
سند الرواية المتقدمة وإن كان جيداً لكن لا دلالة فيها على عدم الإرث المالي للأنبياء:، بل هي أجنبيّة عن المسألة:
فأمّا اللفظ الأول «هذان ابناك فورّثهما»: فلا يمكن حمله على مورد الإرث، لأنّ الحسن والحسين‘ ليسا من ورثة النّبيّ(صلي الله عليه و آله و سلم) مع وجود أُمّهما فاطمة3 بضعة رسول الله(صلي الله عليه و آله و سلم)، فهي ليست ناظرة إلى الأمور الماديّة، وإنّما المقصود هو أنّها طلبت من والدها الرّسول (صلي الله عليه و آله و سلم) أن يعطيهما من خصاله الكريمة9، خاصّة مع الاخذ بعين الاعتبار الرّوايات الكثيرة الّتي تبرز شدّة علاقتها بوالدها النّبيّ الخاتم(صلي الله عليه و آله و سلم).
مضافاً إلى أنّ الإرث إنّما يصدق بعد وفاة الشّخص فلا يطلب منه أثناء حياته أن يورّث.
وأمّا اللفظ الثاني «هذان ابناك فنحّلهما»: فمن الواضح أنّه لم يرد في مورد الإرث، وإنّما ورد في مورد الهديّة؛ بقرينة قولها: «فنحّلهما»، ويدلّ هذا على أنّ الزّهراء3 طلبت من والدها الرّسول(صلي الله عليه و آله و سلم) أن ينحّل الحسن والحسين نحلة، فنحّل الحسن هيبته وسؤدده، ونحّل الحسين سخاءه وشجاعته.
 
4 ـ رواية صفوان بن سليمان
روى الشيخ الصدوق في الخصال عن الحسن بن محمد بن يحيى العلوي، قال: حدثني جدي، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثني أبي، عن إبراهيم بن محمد، عن صفوان بن سليمان، أنّ النبي(صلي الله عليه و آله و سلم) قال: «أمّا الحسن فأُنحّله الهيبة والحلم، وأمّا الحسين فأُنحّله الجود والرحمة»([205]).
المناقشة
سند هذه الرواية وإن كان جيداً لكن لا دلالة فيها على عدم الإرث المالي للأنبياء:، بل هي أجنبيّة عن المسألة أيضاً؛ إذ إنّ قوله: «فأُنحّله» قرينة على أنّ الرواية واردة في مورد الهديّة لا الإرث، فهي تدلّ على أنّ رسول الله(صلي الله عليه و آله و سلم)  قد نحّل الإمام الحسن(عليه السلام) الهيبة والحلم ونحّل الإمام الحسين الجود والرحمة.
 
5 ـ المرسل
روى محمد بن الحسن الصفار في البصائر عن أحمد بن محمد، عن الحسن بن عليّ بن فضّال، يرفعه إلى أبي عبدالله(عليه السلام، نحو رواية أبي البختري([206]).
وروى الشيخ الصدوق في (من لا يحضـره الفقيه) مرسلاً ضمن وصية الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام لابنه محمد بن الحنفية، أنّه قال: «وتفقّه في الدين فإنّ الفقهاء ورثة الأنبياء، إنّ الأنبياء لم يورِّثوا ديناراً ولا درهماً ولكنّهم ورّثوا العلم، فمن أخذ منه أخذ بحظٍّ وافرٍ»([207]).
 
المناقشة
سند هاتين الروايتين مرسل، ولا دلالة فيهما على عدم الإرث المالي للأنبياء: بالبيان المتقدّم في روايتي القدّاح وأبي البختري.
 
نتائج البحث
1‌ـ حديث (لا نورِّث) وإنْ اتفق عليه البخاري ومسلم لكن لا يمكن الاستدلال به على عدم وراثة النبي الأكرم(صلي الله عليه و آله و سلم)، لتقاطعه مع بعض الثوابت التاريخية والقرآنية، ولا شبهة في طرح الأحاديث التي لا تتفق مع الثوابت الدّينيّة والقرآنية والتّاريخيّة، ومن هنا ردّ علماء السنّة ومحدثوهم بعض أحاديث الصّحيحين (فضلاً عن غيرهما)؛ لمخالفته تلك الثوابت.
2‌ـ غضب فاطمة3 وأذاها، من غضب رسول الله(صلي الله عليه و آله و سلم) وأذاه، ولازم ذلك أنّها لا تغضب إلا لله تعالى، ومن الثابت غضبها على أبي بكر ومخالفتها لحديث (لا نورِّث) ورحيلها وهي غاضبة عليه ويؤيّد ذلك عدم الإذن له في الصلاة عليها بوصية منها.
وعليه: فيكون غضبها عليه في المورد قرينة على أنّه قد أخطأ في فهم (لا نورِّث) على فرض صدوره.
3‌ـ أمير المؤمنين(عليه السلام قد ردّ استدلال أبي بكر بحديث (لا نورِّث)، فيتعارض فهم الإمام(عليه السلام مع فهم أبي بكر من الحديث، وحينئذٍ يقدّم فهم الإمام7 لأنّه أعلم الصحابة بحكم كونه أقضاهم.
4‌ـ الثابت أنّ رسول الله9 لم يذكر حديث (لا نورِّث) لذوي الشأن ومحلّ الابتلاء، وهم أقاربه، كفاطمة وقرينها أميرالمؤمنين(عليه السلام، والعباس، وأزواج النبي الكريم (صلي الله عليه وآله)، ولازم ذلك عدم تبليغ وبيان أحكام الإرث لورثته، وهو يتنافى مع الثابت من أنّ رسول الله9 قد أبلغ رسالة ربّه سبحانه على أكمل وأتمّ وجهٍ حتّى وقعت موقع القبول والرضا من البارئ.
5‌ـ مفاد حديث (لا نورِّث) مخالف لصـريح الآيات الكريمة الخاصّة التي نصّت على أنّ الأنبياء والرسل: يرث بعضهم بعضاً، وأنّهم غير خارجين عن دائرة أحكام الإرث، كقوله تعالى حكاية عن زكريّا(عليه السلام: (يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ)([208])، وقوله تعالى: (وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ)([209]).
فهذه الآيات الكريمة تنصّ بشكل صريح على الإرث المالي للأنبياء:؛ لأنّ التّوريث لا يتحقّق على نحو الحقيقة إلّا في المال، وأمّا النّبوّة والعلم والحكمة والحُبُورة والدّين وما شاكل ذلك، فلا يستعمل الإرث فيها إلّا على نحو المجاز.
وإرادةُ المجاز تحتاج إلى قرينة واضحة وصريحة حتّى ترفع اليد عن إرادة المعنى الحقيقي ويُصْرَف إلى غيره، وما ذُكر من القرائن كلّها غير صالحة لرفع اليد عن ذلك المدلول الحقيقي أو المتيقّن من الإرث.
كما أنّ مفاد حديث (لا نورِّث) مخالف لصـريح الآيات الكريمة العامّة التي تدل بعمومها على أنّ الأنبياء والرسل: يرث بعضهم بعضاً، وأنّهم غير خارجين عن دائرة أحكام الإرث، كقوله تعالى: (لِلذَّكَرِ مِثْل حَظِّ الأُنثَيَيْنِ)([210])، وقوله تعالى: (أُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ)([211]).
ولا يوجد مخصّص قرآني لهذه الآيات الكريمة، وتخصيصها بالحديث النبوي يتم بعد الفراغ من حجّيته على مستوى الصّدور والدّلالة، وهو مفقود في المقام.
6‌ـ لا يصلح حديث (لا نورّث) كقرينة لحمل الإرث في الآيات الخاصّة على المعنى المجازي، أو كمخصص لآيات الإرث العامة؛ لأنّ ذلك يتمّ بعد الفراغ من حجّيته على مستوى الصّدور والدّلالة، والخبر المذكور فاقد لكلا الأمرين: أمّا الصّدور فهناك قرائن وشواهد قوية تخدش في صدور الحديث، أهمها ردّ فاطمة وأمير المؤمنين(عليه السلام له، وأمّا الدّلالة فقد نوقش في قوله: «ما تركنا صدقة»؛ إذ يحتمل أن تكون (ما) موصولة بمعنى (الّذي).
7‌ـ حديث (لا نورّث) لو كان ناظراً لتلك الآيات الخاصّة أو العامّة لكان الأنسب أن يأتي في بيان تلك الآيات أو أثناء حياة النّبيّ الكريم(صلي الله عليه و آله و سلم) على أقلّ تقدير، ولكن لم يذكر أحد من علماء التّفسير والتّاريخ والحديث أنّ رّسول الله(صلي الله عليه و آله و سلم) قال ذلك الحديث بعد نزول آية من آيات الإرث الخاصّة أو العامّة، وقد كان المقام يناسب ذلك، بمعنى إنّه كان ينبغي للرسول الكريم(صلي الله عليه و آله و سلم) عند نزول آية من تلك الآيات الكريمة المتعلقة بالإرث أن يبينها بكلّ تفاصيلها ـ لا سيّما لأهل بيته ـ ويشـرح لهم المقصود منها، ويوضّح لهم أحكام الإرث بكلّ فروعه عملاً بمقتضـى قوله تعالى: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)([212]).
 
 
المصادر
1. أحكام القرآن، أبو بكر أحمد بن علي الرّازي، الجصّاص تحقيق: عبد السلام محمد علي شاهين، نشر دار الكتب العلمية ـ بيروت، ط1ـ 1415هـ.
2. تاريخ اليعقوبي، أحمد بن أبي يعقوب بن جعفر بن وهب ابن واضح الكاتب العباسي اليعقوبي ، نشر دار صادر ـ بيروت.
3. التحرير والتنوير، محمد الطاهر بن محمد بن محمد الطاهر بن عاشور التونسـي ابن عاشور، الناشر: دار التونسي للنشر.
4. تحفة الأحوذي، المباركفوري، ط1، سنة الطبع: 1410هـ، الناشر: دار الكتب العلمية ـ بيروت.
5. التسهيل لعلوم التنزيل، الغرناطي الكلبي، ط4، سنة الطبع: 1403 ـ 1983م، المطبعة: لبنان ـ دار الكتاب العربي، الناشر: دار الكتاب العربي.
6. تفسير ابن زمنين، أبو عبد الله محمد بن عبد الله ابن أبي زمنين، تحقيق: أبو عبد الله حسين بن عكاشة ـ محمد بن مصطفى الكنز، ط1، سنة الطبع: 1423هـ، الناشر: الفاروق الحديثة ـ القاهرة.
7. تفسير ابن كثير، ابن كثير، تحقيق: تقديم: يوسف عبد الرحمن المرعشلي، طبعة 1412هـ.
8. تفسير البغوي، البغوي، تحقيق: خالد عبد الرحمن العك، الناشر: دار المعرفة ـ بيروت.
9. تفسير الثعلبي، الثعلبي، تحقيق: الإمام أبو محمد بن عاشور، مراجعة وتدقيق الأستاذ نظير الساعدي، نشـر دار إحياء التراث العربي ـ بيروت، ط1ـ 1422هـ.
10. تفسير السلمي، السلمي، تحقيق: سيد عمران، ط1، سنة الطبع: 1421 ـ 2001م، المطبعة: لبنان/ بيروت ـ دار الكتب العلمية، الناشر: دار الكتب العلمية.
11. تفسير السمرقندي، السمرقندي، أبو الليث، تحقيق: د. محمود مطرجي، نشر دار الفكر ـ بيروت.
12. تفسير العز بن عبد السلام السلمي، السلمي الدمشقي الشافعي، تحقيق: الدكتور عبد الله بن إبراهيم الوهبي، ط1، 1416هـ، دار ابن حزم، الناشر: دار ابن حزم ـ بيروت.
13. تفسير القرطبي، القرطبي، تحقيق: تصحيح: أحمد عبد العليم البردوني، الناشر: دار إحياء التراث العربي ـ بيروت.
14. التفسير الكبير، فخر الدين الرّازي، أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي الرّازي، الناشر: دار إحياء التراث العربي ـ بيروت، ط3.
15. تفسير النسفي، النسفي، أبو البركات عبد الله بن أحمد بن محمود النسفي، المطبوع بهامش لباب التأويل في القاهرة 1374ه‍.
16. تفسير الواحدي، الواحدي، تحقيق: صفوان عدنان داوودي، ط1، سنة الطبع: 1415، المطبعة: دمشق , بيروت ـ دار القلم , الدار الشامية، الناشر: دار القلم , الدار الشامية.
17. تفسير مقاتل بن سليمان، تحقيق: أحمد فريد، الناشر: دار الكتب العلمية ـ بيروت، ط1، 1424هـ.
18. التمهيد، ابن عبد البرّ، تحقيق: مصطفى بن أحمد العلوي ,‏ محمد عبد الكبير البكري، نشـر وزارة عموم الأوقاف والشؤون الإسلاميّة، طبعة عام 1387.
19. تهذيب اللغة، الأزهري، أبو منصور محمد بن أحمد، تحقيق محمد عوض مرعب، نشـر دار إحياء التراث العربي ـ بيروت، ط1، 2001م.
20. جامع البيان عن تأويل آي القرآن، الطّبري، أبو جعفر محمد بن جرير، تقديم: الشّيخ خليل الميس، ضبط وتوثيق وتخريج: صدقي جميل العطار، نشر دار الفكر ـ بيروت، طبعة عام 1415هـ.
21. خلاصة الأقوال، العلامة الحلي، أبو منصور الحسن بن يوسف بن المطهر الأسدي، تحقيق: الشّيخ جواد القيومي، ط1ـ 1417هـ، نشـر مؤسسة نشـر الفقاهة ـ قم.
22. رجال ابن الغضائري، ابن الغضائري، أحمد بن الحسين الغضائري الواسطي البغدادي، تحقيق: السيّد محمد رضا الجلالي، ط1، سنة الطبع: 1422 ـ 1380ش، الناشر: دار الحديث.
23. رجال النجاشي، النجاشي، أبو العبّاس أحمد بن علي بن أحمد بن العبّاس النجاشي الأسدي الكوفي، تحقيق: موسى الشبيري الزنجاني، الناشر: مؤسسة النشر الإسلامي ـ قم، ط5، 1416.
24. روح المعاني، الآلوسي، محمود الآلوسي البغدادي، دار الفكر ـ بيروت، طبعة عام 1417هـ، وطبعة دار إحياء التراث العربي ـ بيروت.
25. زاد المسير، ابن الجوزي، تحقيق: محمد بن عبد الرحمن عبد الله، ط1، 1407هـ، الناشر: دار الفكر ـ بيروت.
26. سنن الترمذي، الترمذي، محمد بن عيسى، تحقيق: عبد الرحمن محمد عثمان، نشـر دار الفكر ـ بيروت، ط2، 1403هـ.
27. شرح مسلم، النووي، شرح مسلم، سنة الطبع: 1407هـ، الناشر: دار الكتاب العربي ـ بيروت.
28. شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، نشـر دار إحياء الكتب العربية ـ ط1ـ 1378هـ.
29. الصحاح، إسماعيل بن حماد الجوهري، تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار، نشر دار العلم للملايين ـ بيروت، ط7، 1407هـ.
30. صحيح البخاري، البخاري، محمد بن إسماعيل، دار ابن كثير، اليمامة ـ بيروت، تحقيق: د. مصطفى ديب البغا، ط3، 1407هـ.، وطبعة دار الفكرـ طبعة بالأوفست عن طبعة دار الطباعة العامرة في اسطنبول.
31. صحيح مسلم، النيسابوري، أبو الحسين مسلم بن الحجاج، دار الفكر ـ بيروت ، وطبعة دار إحياء التراث العربي ـ بيروت، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي.
32. الصوارم المهرقة، نور الله التستري، تحقيق: السيّد جلال الدين المحدث، سنة الطبع: 1367ش.
33. الطبقات الكبرى، محمد بن سعد، نشـر دار صادر ـ بيروت.
34. عمدة القاري، أبو محمد محمود بن أحمد، نشر دار إحياء التراث العربي ـ بيروت.
35. فتح الباري، ابن حجر، شهاب الدين بن حجر، فتح الباري شرح صحيح البخاري، نشـر دار المعرفة ـ بيروت، ط2.
36. فتح القدير، الشوكاني، المطبعة: عالم الكتب، الناشر: عالم الكتب.
37. الكافي، محمد بن يعقوب الكلّيني، تحقيق: علي أكبر الغفاري، دار الكتب الإسلاميّة ـ طهران ط4، 1365 ش.
38. الكامل في التاريخ، عزّ الدين أبي الحسن علي بن أبي كرم بن الأثير، نشر دار صادر ـ بيروت، طبعة عام 1386هـ.
39. كتاب العين، الخليل الفراهيدي، تحقيق: الدكتور مهدي المخزومي، الدكتور إبراهيم السامرائي، ط2، 1409هـ، الناشر: مؤسسة دار الهجرة.
40. كنز العمال، علاء الدين علي المتقي بن حسام الدين الهندي، ضبط وتفسير: الشّيخ بكري حياني، تصحيح وفهرسة: الشّيخ صفوة السقّا، نشر مؤسسة الرسالة ـ بيروت، طبعة عام 1409هـ
41. لسان العرب، ابن منظور، مطبعة دار إحياء التراث العربي، نشر أدب الحوزة. ط1 ـ 1405هـ.
42. مستدركات علم رجال الحديث، علي النمازي
الشاهرودي، ط1، 1412هـ، المطبعة: شفق ـ طهران، الناشر: ابن المؤلف.
43. المصباح المنير في غريب الشـرح الكبير للرافعي، أحمد بن محمد بن علي المقري الفيومي، الناشر: المكتبة العلمية ـ
بيروت.
44. معاني القرآن، الجصّاص، تحقيق: الشّيخ محمد علي الصابوني، ط1، سنة الطبع: 1409، الناشر: جامعة أمّ القرى ـ المملكة العربية السّعودية.
45. معاني القرآن، النحّاس، تحقيق: الشّيخ محمد علي الصابوني، ط1، سنة الطبع: 1409، الناشر: جامعة أمّ القرى ـ المملكة العربية السّعودية.
46. المعجم الكبير، أبو القاسم سليمان بن أحمد الطّبراني، تحقيق وتخريج: حمدي عبد المجيد السلفي، ط2، مزيدة ومنقحة، الناشر: دار إحياء التراث العربي.
47. مفردات غريب القرآن، أبو القاسم الحسين بن محمد، مفردات غريب القرآن، ط2، سنة الطبع: 1404، الناشر: دفتر نشر الكتاب.
48. نقد الرجال، التفرشي: تحقيق: مؤسسة آل البيت: لإحياء التراث، ط1، سنة الطبع: شوال 1418، المطبعة: ستارة ـ قم، الناشر: مؤسسة آل البيت: لإحياء التراث ـ قم.
49. مسند احمد، احمد بن حنبل، الرساله، بيروت.
 
 
 
 
 
الفهرس
 
(1) الحشر: 7.
([2]) انظر: المحاسن، البرقي، ج1، ص278؛ الكافي، الكليني، ج2، ص74؛ صحيح مسلم، ج7، ص91؛ مسند أحمد بن حنبل، ج2، ص247.
([3]) الصحاح، الجوهري، ج1، صص295و 296، مادة (ورث)؛ انظر أيضاً: كتاب العين، الخليل الفراهيدي، ج8، ص234، مادة (ورث)؛ تهذيب اللغة، أبو منصور الأزهري، محمد بن أحمد، ج15، ص85؛ لسان العرب، ابن منظور، ج2، صص111، 199 و200؛ مفردات غريب القرآن، الراغب الأصفهاني، ص 518؛ المصباح المنير في غريب الشـرح الكبير للرافعي، الفيومي، أحمد بن محمد بن علي المقري، ج2، ص654.
(1) النمل: 16.
(2) مريم: 6.
([6]) تفسير القرطبي، ج11، ص78.
([7]) تفسير الثعالبي، ج4، صص 6 و 7.
([8]) فتح القدير، الشّوكاني، ج4، ص129.
([9]) التّحرير والتّنوير، ابن عاشور، ج 19، ص 235.
([10]) الحبر واحد أحبار، ومعناه العالم بتحبير الكلام والعلم وتحسينه، وهو منصب ديني، وقد كان زكريا7 رئيس الأحبار [انظر: الصحاح، الجوهري، ج2، ص620، مادة (حبر)].
([11]) تفسير الرّازي، ج21، ص184.
([12]) روح المعاني، الآلوسي، ج16، ص64.
([13]) صحيح البخاري، ج6، ص2474، كتاب الفرائض، ب2 قول النبي صلي الله عليه وسلم: «لا نورّث ما تركنا صدقة».
([14]) صحيح مسلم، ج3، ص1376، كتاب الجهاد والسير، ب16 قول النبي صلي الله عليه وسلم: «لا نورّث ما تركنا فهو صدقة».
([15]) صحيح البخاري، ج3، ص1126، ح2926، كتاب الخمس، ب1 (فرض الخمس).
([16]) صحيح مسلم، ج3، ص1380، ح1759 ـ 54، كتاب الجهاد والسير، ب16 قول النبي (صلي الله عليه وسلم): «لا نورّث ما تركنا فهو صدقة».
([17]) صحيح مسلم، ج3، ص1380، ح1759 ـ 54، كتاب الجهاد والسير، ب16 قول النبي (صلي الله عليه وسلم): «لا نورّث ما تركنا فهو
صدقة».
([18]) صحيح البخاري، ج3، ص1360، ح3508، كتاب المناقب، ب12 مناقب قرابة رسول الله (صلي الله عليه وسلم) ومنقبة فاطمة (عليها السلام) بنت النبي (صلي الله عليه وسلم).
([19]) صحيح البخاري، ج4، ص1549، ح3998، كتاب المغازي، ب36 (غزوة خيبر).
([20]) صحيح مسلم، ج5، ص153، ح1759 ـ 52، كتاب الجهاد والسير، ب16 قول النبي (صلي الله عليه وسلم): «لا نورّث ما تركنا فهو صدقة».
([21]) صحيح البخاري، ج6، ص2474، ح6346، كتاب الفرائض، ب2 قول النبي (صلي الله عليه وسلم) «لا نورّث ما تركنا صدقة».
([22]) صحيح البخاري، ج4، ص1481، 3810، كتاب المغازي، ب11 (حديث بني النضير ومخرج رسول الله (صلي الله عليه وسلم) إليهم...).
([23]) صحيح مسلم، ج3، ص1380، ح1759 ـ 53، كتاب الجهاد والسير، ب16 (قول النبي (صلي الله عليه وسلم): «لا نورّث ما تركنا فهو صدقة».
([24]) صحيح البخاري، ج4، ص1479، ح3809، كتاب المغازي، ب11 (حديث بني النضير ومخرج رسول الله (صلي الله عليه وسلم) إليهم...).
([25]) المصدر نفسه، ج3، ص1126، ح2927، كتاب الخمس، ب1 (فرض الخمس).
([26]) المصدر نفسه، ج5، ص2048، ح5043،، كتاب النفقات، ب3 (حبس نفقة الرجل قوت سنة على أهله . وكيف نفقات العيال).
([27]) صحيح البخاري، ج6، ص2474، ح6347، كتاب الفرائض، ب2 قول النبي (صلي الله عليه وسلم) «لا نورّث ما تركنا صدقة».
([28]) المصدر نفسه، ص2663، ح6875، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، ب5 (ما يكره من التعمق والتنازع في العلم والغلو في الدين والبدع).
([29]) صحيح مسلم، ج3، ص1376، ح1757 ـ 49، كتاب الجهاد والسير، ب15 (حكم الفئ).
([30]) صحيح مسلم، ج3، ص1376، ح1757 ـ 50، كتاب الجهاد والسير، ب15 (حكم الفئ).
([31]) سن الترمذي، ج4، ص158، ح1610، كتاب السير، ب44 (ما جاء في تركة رسول الله (صلي الله عليه وسلم)).
([32]) المصدر نفسه، الاحاديث مذيلة بأحكام الألباني عليها.
([33]) سنن النسائي، ج7، ص135، ح4148، كتاب قسم الفئ.
([34]) المصدر نفسه، الاحاديث مذيلة بأحكام الألباني عليها.
([35]) مسند أحمد بن حنبل، ج1، ص425، ح349، مسند عمر بن الخطاب.
([36]) المصدر نفسه، الاحاديث مذيلة بأحكام شعيب الأرنؤوط عليها.
([37]) صحيح البخاري، ج6، ص2474، ذيل حديث 6346، كتاب الفرائض، ب2 قول النبي (صلي الله عليه وسلم) «لا نورّث ما تركنا صدقة».
([38]) صحيح البخاري، ج6، ص2475، ح6349، كتاب الفرائض، ب2 قول النبي (صلي الله عليه وسلم) «لا نورّث ما تركنا صدقة».
([39]) صحيح مسلم، ج3، ص1379، ح1758 ـ 51، كتاب الجهاد والسير، ب16 قول النبي (صلي الله عليه وسلم): «لا نورّث ما تركنا صدقة».
([40]) المصدر نفسه، ص1383، ح1761 ـ 56، كتاب الجهاد والسير، ب16 قول النبي (صلي الله عليه وسلم): «لا نورّث ما تركنا فهو صدقة».
([41]) صحيح البخاري، ج3، ص1020، ح2624، كتاب الوصايا، ب33 (نفقة القيم للوقف).
([42]) صحيح البخاري، ج6، ص2475، ح6348، كتاب الفرائض، ب2 (قول النبي (صلي الله عليه وسلم): «لا نورّث ما تركنا فهو صدقة»).
([43]) صحيح مسلم، ج3، ص1382، ح1760 ـ 55، كتاب الجهاد والسير، ب16 (قول النبي (صلي الله عليه وسلم): «لا نورّث ما تركنا فهو
صدقة»).
([44]) صحيح مسلم، ج3، ص1382، ح1760، كتاب الجهاد والسير، ب16 (قول النبي (صلي الله عليه وسلم): «لا نورّث ما تركنا فهو صدقة»).
([45]) سنن الترمذي، ج4، ص157، ح1608، كتاب السير، ب44 (ما جاء في تركة رسول الله (صلي الله عليه وسلم)).
([46]) المصدر نفسه، الأحاديث مذيلة بأحكام الألباني عليها.
([47]) سنن البيهقي الكبرى، ج6، ص302، ح12523، كتاب قسم الفئ والغنيمة، ب5 (بيان مصرف أربعة أخماس الفيء بعد رسول الله...).
([48]) تهذيب الكمال، المزي، ج23، ص274، رقم4759.
([49]) تهذيب التهذيب، ابن حجر العسقلاني، ج8، ص262، رقم536.
([50]) فتح الباري، ابن حجر العسقلاني، ج12، ص7.
([51]) صحيح البخاري، ج4، ص168؛ ج8، صص 203 ـ 204؛ صحيح مسلم، ج1، ص102.
([52]) فتح الباري، ابن حجر، ج13، ص399.
([53]) شرح مسلم، النووي، ج2، صص 209 ـ 210.
([54]) صحيح مسلم، ج8، ص127.
([55]) تفسير ابن كثير، ج1، ص72.
([56]) المصدر نفسه، ج2، ص230. وقد نقل كعب الاحبار ذلك عن التوراة، فدخلت هذه المفردة اليهودية في الصحيح.
([57]) تفسير الآلوسي، ج8، ص 133.
([58]) صحيح البخاري، ج4، ص210، ح3714، كتاب فضائل الصحابة، ب 12 (مناقب قرابة رسول الله (صلي الله عليه وسلم)).
([59]) صحيح البخاري، ج4، ص219، ح3767، كتاب فضائل الصحابة، ب 29 (مناقب فاطمة (عليها السلام)).
([60]) صحيح مسلم، ج7، ص141، ح6202، كتاب فضائل الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ب 15 (فضائل فاطمة بنت النبي صلي الله عليه وسلم).
([61]) صحيح البخاري، ج5، ص2004، ح4932، ب108 (ذب الرجل على ابنته في الغيرة والإنصاف). صحيح مسلم، ج4، ص1902، ح2449، ب15 (من فضائل فاطمة عليها السلام).
([62]) المعجم الكبير، الطبراني، ج20، ص25، ح30، عبيد الله بن أبي رافع عن المسور بن مخرمة.
([63]) مجمع الزوائد، الهيثمي، ج9، ص328، ح15203، باب مناقب فاطمة بنت رسول الله (صلي الله عليه وسلم) (رضي الله عنها).
([64]) المستدرك على الصحيحين، ج3، ص172، ح4747، ذكر مناقب فاطمة بنت رسول الله، مع الكتاب: تعليقات الذهبي في التلخيص.
([65]) الأحزاب: 57.
([66]) التوبة: 61.
([67]) الأحزاب: 53.
([68]) المعجم الكبير، الطبراني، ج1، ص108، ح182، ما أسند علي بن أبي طالب (رضي الله تعالى عنه). ج22، ص401، ح1001، مناقب فاطمة.
([69]) مجمع الزوائد، الهيثمي، ج9، ص203، باب مناقب فاطمة بنت رسول الله (صلي الله عليه وسلم).
([70]) المستدرك على الصحيحين، ج3، ص154.
([71]) فتح الباري، ج7، ص82 . فيض القدير، ج4، ص554. عمدة القاري، العيني، ج16، ص249. الروض الآنف، السهيلي، ج6، صص 328 ـ 330، حول قصة أبي لبابة.
([72]) منهاج السنة، ابن تيمية، ج4، صص250 ـ 252.
([73]) مجموع فتاوى، ج31، صص44 و 58؛ الفتاوى الكبرى، ج4، صص 158و 264.
([74]) فتح الباري، ج9، ص270، باب ذبّ الرجل عن ابنته. تحفة الأحوذي، المباركفوري، ج10، ص251. عون المعبود، العظيم آبادي، ج6، ص57. فيض القدير شرح الجامع الصغير، للمناوي، ج6، ص24، ح 8267. عمدة القاري، العيني، ج20، ص212.
([75]) صحيح البخاري، ج3، ص1364، ح3523، ب16 (ذكر أصهار النبي (صلي الله عليه وسلم) منهم أبو العاص بن الربيع).
([76]) صحيح البخاري، ج3، ص1126، ح2926، كتاب الخمس، ب1 (فرض الخمس).
([77]) المصدر نفسه، ج4، ص1549،ح3998،كتاب المغازي،ب36 (غزوة خيبر).
([78]) صحيح مسلم، ج5، ص1380، ح1759 ـ 52، كتاب الجهاد والسير، ب16 (قول النبي (صلي الله عليه وسلم): «لا نورّث ما تركنا صدقة»).
([79]) صحيح البخاري، ج6، ص2474، ح6346، كتاب الفرائض، ب2 (قول النبي صلي الله عليه وسلم «لا نورّث ما تركنا صدقة»).
([80]) السنن الكبري، البيهقي، ج6، ص301، 12515، ب5 (باب بيان مصرف أربعة أخماس الفيء بعد رسول الله (صلي الله عليه وسلم)).
([81]) تهذيب الكمال، المزي، ج13، ص82، رقم2834؛ تهذيب التهذيب، ابن حجر، ج4 ، ص350، رقم692.
([82]) تهذيب الكمال، ج11، ص208، رقم388؛ تهذيب التهذيب، ج3، ص1213، رقم1466.
([83]) فتح الباري، ابن حجر، ج6، صص139و 140.
([84]) فتح الباري، ابن حجر، ج6، صص139و 140
([85]) المصدر نفسه، ج7، ص378.
([86]) صحيح مسلم، ج3، ص1376، ح1757 ـ 49، كتاب الجهاد والسير، ب15 (حكم الفئ).
([87]) فتح الباري، ابن حجر، ج6، ص144.
([88]) فتح الباري، ج6، ص145.
([89]) إشارة لقوله: لكن في رواية النسائي، وعمر بن شبة من طريق أبي البختري، ما يدلّ على أنّهما أرادا أن يقسم بينهما على سبيل الميراث، ولفظه في آخره [يعني آخر حديث البخاري]: (ثمّ جئتماني الآن تختصمان، يقول هذا: أريد نصيبي من ابن أخي، ويقول هذا: أريد نصيبي من امرأتي، والله لا أقضـي بينكما إلا بذلك)، أي إلّا بما تقدّم من تسليمها لهما على سبيل الولاية، وكذا وقع عند النّسائي من طريق عكرمة بن خالد عن مالك بن أوس نحوه، فتح الباري، ج6، ص145، والّذي ساقه لردّ الوجه الذي ذكره إسماعيل القاضي من أنّ الخصومة ـ حسب دعوى أهل السنّة ـ بين أمير المؤمنين7 والعباس كانت في ولاية الصدقات لا في الإرث، قال ابن حجر: وأما مخاصمة عليّ وعباس بعد ذلك ثانياً عند عمر، فقال إسماعيل القاضي، فيما رواه الدارقطني من طريقه: (لم يكن في الميراث، إنما تنازعا في ولاية الصّدقة، وفي صرفها كيف تصرّف)، كذا قال؛ المصدر السابق.
([90]) فتح الباري، ج6، ص145.
([91]) المصدر نفسه، ص144.
([92]) صحيح البخاري، ج5، ص82.
([93]) صحيح البخاري، ج4، ص1628، ح4211، كتاب التفسير، ب9 (قوله: (ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها)).
([94]) سنن ابن ماجة، ج1، ص55، ح154، كتاب الإيمان وفضائل الصحابة والعلم، فضائل خباب.
([95]) المصدر نفسه، الاحاديث مذيلة بأحكام الالباني عليها.
([96]) مصنف ابن أبي شيبة، ج6، ص13، ح29098، كتاب أقضية رسول الله، ص365، ح32068، كتاب فضائل علي بن أبي طالب.
([97]) سنن ابي داوود، ج2، ص325، ح3582، كتاب الاقضية، ب6 ـ ت / 6 م (كيف القضاء).
([98]) المصدر نفسه، الاحاديث مذيلة بأحكام الالباني عليها.
([99]) مسند أحمد، ج2، ص143، ح636، مسند علي بن أبي طالب.
([100]) المصدر نفسه، الاحاديث مذيلة بأحكام شعيب الأرنؤوط عليها.
([101]) المستدرك على الصحيحين، ج4، ص99، ح7003، كتاب الاحكام.
([102]) المصدر نفسه، مع الكتاب: تعليقات الذهبي في التلخيص.
([103]) فيض القدير شرح الجامع الصغير، عبد الرؤوف المناوي، ج1، ص459، رقم 908 .
([104]) المواقف، الإيجي، ج3، ص599، الموقف السادس (في السمعيات)، المرصد الرابع (في الإمامة ومباحثها)، المقصد الرابع.
(1) المائدة: 3.
([106]) صحيح البخاري، ج3، ص1096، ح2847، كتاب الجهاد والسير، ب141 (فضل من أسلم على يديه رجل).
([107]) صحيح مسلم، ج4، ص1872، ح2406، كتاب فضائل الصحابة، ب4 (فضل عليّ بن أبي طالب).
([108]) آل عمران: 31.
([109]) فتح الباري، ابن حجر العسقلاني، ج7، ص72، رقم3499.
([110]) سنن التّرمذي، ج5، ص639، ح3726، كتاب المناقب، باب 21.
([111]) المصدر نفسه.
([112]) صحيح مسلم، ج7، ص141.
([113]) التفسير الكبير، الرّازي، فخر الدين، ج9، ص210.
([114]) فتح الباري، ابن حجر، ج6، ص140.
([115]) صحيح البخاري، ج3، ص1360، ح3508، كتاب المناقب، ب12 (مناقب قرابة رسول الله (صلي الله عليه وسلم) ومنقبة فاطمة (عليها السلام)..).
([116]) المصدر نفسه، ج4، ص1549، ح3998، كتاب المغازي، ب36 (غزوة خيبر).
([117]) مريم: 6.
([118]) النمل: 16.
([119]) النساء: 11.
([120]) الأحزاب: 6.
([121]) مريم: 4 ـ 6.
([122]) النمل: 15 و 16.
([123]) أي مرتبة أن يكون حَبْراً.
([124]) كتاب العين، ج8، ص234؛ تهذيب اللغة، ج15، ص85؛ الصحاح، ج1، صص 295 و 296. لسان العرب، ج2، صص 111، 199 و 200؛ مفردات غريب القرآن، ص518؛ المصباح المنير، ج2، ص654.
([125]) تفسير الثعالبي، ج4، صص 6 و 7؛ فتح القدير، الشّوكاني، ج4، ص129؛ التّحرير والتّنوير، ج19، ص 235.
([126]) كنز العمال، المتقي الهندي، ج5، ص625.
([127]) الطبقات الكبرى، محمد بن سعد، ج2، ص315.
([128]) تفسير القرطبي، ج11، ص78؛ التحرير والتنوير، ابن عاشور، ج 19، ص235.
([129]) تفسير الرّازي، ج21، ص184؛ انظر: تفسير القرطبي، ج11، ص78؛ تفسير ابن كثير، ج3، ص370.
([130]) تفسير الرّازي، ج21، ص184؛ معاني القرآن، النحاس، ج4، ص311؛ تفسير الثعلبي، ج6، ص206؛ تفسير السمعاني، ج3، ص278؛ تفسير البغوي، ج3، ص188؛ زاد المسير، ابن الجوزي، ج5، ص146؛ تفسير ابن كثير، ج3، ص117، وغير ذلك من التفاسير.
([131]) مريم: 5 و 6.
([132]) تفسير ابن كثير، ج3، ص117.
([133]) تفسير الرّازي، ج21، ص184؛ وانظر: جامع البيان، ابن جرير الطبري، ج16، ص60. معاني القرآن، النحاس، ج4، ص311؛ أحكام القرآن، الجصاص، ج3، ص282؛ تفسير السمرقندي، ج2، ص368؛ تفسير الثعلبي، ج6، ص206؛ تفسير الواحدي، ج2، ص676؛ تفسير السمعاني، ج3، ص278؛ تفسير البغوي، ج3، ص188؛ زاد المسير، ابن الجوزي، ج5، ص146؛ تفسير العز بن عبد السلام، ج2، ص269؛ تفسير ابن كثير، ج3، ص117، وغير ذلك من التفاسير.
([134]) انظر: جامع البيان، ابن جرير الطّبري، ج16، ص62. تفسير السلمي، ج1، ص421؛ تفسير الثعلبي، ج6، ص206؛ تفسير السمرقندي، ج2، ص368. تفسير البغوي، ج3، ص189؛ تفسير النسفي، ج3، ص31. تفسير الآلوسي، ج16، ص64، وغير ذلك من التفاسير.
([135]) آل عمران: 37و 38.
([136]) تفسير القرطبي، ج11، ص81.
([137]) تفسير مقاتل بن سليمان، ج2، ص307.
([138]) جامع البيان، ابن جرير الطّبري، ج16، ص60.
([139]) تفسير السمرقندي، ج2، ص368.
([140]) تفسير الثعلبي، ج6، ص 206.
([141]) زاد المسير، ابن الجوزي، ج5، ص146.
([142]) تفسير العز بن عبد السلام السلمي الدمشقي الشافعي، ج2، ص269.
([143]) تفسير الآلوسي، ج16، ص64.
([144]) تفسير الرّازي، ج21، ص184.
([145]) المصدر نفسه، ج4، ص219.
([146]) النحل: 8.
([147]) انظر: جامع البيان، ج14، صص110 و 111؛ معاني القرآن، ج4، ص56؛ أحكام القرآن، ج3، ص238؛ تفسير السمرقندي، ج2، ص266 و 267؛ تفسير الثعلبي، ج6، ص8؛ تفسير الرّازي، ج19، ص229؛ تفسير القرطبي، ج10، ص76؛ تفسير ابن كثير، ج2، ص583.
([148]) زاد المسير، ابن الجوزي، ج5، ص147؛ تفسير ابن كثير، ج3، ص117.
([149]) تفسير الثعلبي، ج3، ص57؛ تفسير البغوي، ج3، ص189؛ تفسير الرّازي، ج21، ص185.
([150]) تفسير الرّازي، ج21، ص184.
([151]) ص: 35 ـ 39.
([152]) النمل: 15 و 16.
([153]) تفسير الرّازي، ج24، ص186.
([154]) الأنبياء: 78 و 79.
([155]) الأنبياء: 78 ـ 82.
([156]) النمل: 16.
([157]) الأنبياء: 79.
([158]) تفسير القرطبي، ج11، ص308.
([159]) تفسير السّمرقندي، ج2، ص575؛ تفسير النّسفي، ج3، ص206؛ تفسير الرّازي، ج21، ص184؛ تفسير القرطبي، ج13، ص164؛ تفسير ابن كثير، ج3، ص117 و ج4، ص36؛ تفسير الآلوسي، ج19، ص170.
([160]) انظر: تفسير القرطبي، ج11، ص81.
([161]) تفسير مقاتل بن سليمان، ج3، ص118.
([162]) انظر: تفسير النسفي، ج4، ص39؛ أحكام القرآن، ابن العربي، ج4، ص66؛ تفسير الآلوسي، ج23، ص191.
([163]) ابن جزى الغرناطي، محمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن يحيى بن عبدالرحمن بن يوسف بن سعيد بن جزي الكلبي أبو القاسم الغرناطي الأندلسـي المالكي، من شيوخ لسان الدين ابن الخطيب، ولد سنة 693هـ، وتوفيّ في أوائل ربيع الأول من سنة 758 ثمان وخمسين وسبعمائة، من مصنفاته أصول القراء الستة غير نافع، والأنوار السنية في الكلمات السنية، والتسهيل لعلوم التنزيل في التفسير، وتقريب الوصول إلى علم الأصول، والدعوات والأذكار المخرجة من صحيح الاختبار، والفوائد العامة في لحن العامة، والفهرسة (تشتمل على جملة كثيرة من علماء المشـرق والمغرب)، والقوانين الفقهية في تلخيص مذهب المالكية، والمختصـر البارع في قراءة نافع، والنور المبين في قواعد عقائد الدين، ووسيلة المسلم في تهذيب صحيح مسلم، وغير ذلك، وقد أملى ابن بطوطة أخبار رحلته على محمد بن جزي الكلبي بمدينة فاس سنة 756 هـ.
([164]) كذا في الأصل.
([165]) التّسهيل لعلوم التّنزيل، الغرناطي الكلبي، ج3، ص184.
([166]) عمدة القاري، العيني، ج16، ص13؛ تفسير الثّعلبي، ج8، ص199؛ تفسير البغوي، ج4، ص60.
([167]) تفسير ابن كثير، ج3، ص370.
([168]) انظر: تاريخ اليّعقوبي، ج1، ص51. الكامل في التّاريخ، ابن الأثير، ج1، ص228؛ معاني القرآن، الجصاص، ج5، ص120؛ تفسير ابن زمنين، ج3، ص296؛ تفسير الثعلبي، ج7، ص193؛ تفسير السمعاني، ج4، ص81؛ تفسير البغوي، ج3، ص408، وغيرهم كثير.
([169]) الكافي، الشّيخ الكليني، ج1، ص278.
([170]) رجال النجاشي، ص109؛ رجال ابن الغضائري، ص44.
([171]) رجال النجاشي، ص418؛ خلاصة الأقوال، العلامة الحلي، ص409؛ نقد الرجال، التفرشي، ج4، ص398.
([172]) مستدركات علم رجال الحديث، علي النمازي الشّاهرودي، ج6، ص149.
([173]) الصوارم المهرقة، نور الله التستري، ص166.
([174]) تفسير ابن كثير، ج3، ص476؛ تفسير الآلوسي، ج4، صص 218و219.
([175]) تفسير ابن كثير، ج3، ص117و ج4، ص36.
([176]) تفسير الآلوسي، ج4، ص218.
([177]) القصص: 68.
([178]) تفسير القرطبي، ج11، ص81.
([179]) تفسير القرطبي، ج11، ص78؛ التسهيل لعلوم التنزيل، ج3، ص2؛ تفسير أبي السّعود، ج5، صص 254و255؛ فتح القدير، ج3، ص322؛ تفسير الآلوسي، ج16، ص64.
([180]) النحل: 44.
([181]) صحيح البخاري، ج4، ص1479، ح3809، ب11 (حديث بني النضير ومخرج رسول الله (صلي الله عليه وسلم) إليهم ...).
([182]) تفسير الرّازي، ج21، ص184.
([183]) النساء: 11.
([184]) الأنفال: 75.
([185]) صحيح البخاري، ج8، ص3، باب قول النبي (صلي الله عليه وسلم): «لا نورّث ما تركنا صدقة».
([186]) التفسير الكبير، فخر الدين، الرّازي، ج9، صص210 و 211.
([187]) المصدر نفسه.
([188]) التفسير الكبير، ج9، صص210 و 211.
([189]) صحيح البخاري، ج4، ص42؛ ج5، صص 82 و 154.
([190]) تفسير القرطبي، ج13، ص164.
([191]) الشّيعة وأهل البيت، إحسان إلهي ظهير، صص85 و 86.
([192]) بصائر الدرجات، محمد بن الحسن الصفار، ص23، باب (ثواب العالم والمتعلم).
([193]) الكافي، ج1، ص34، ح1، باب ثواب العالم والمتعلم.
([194]) المصدر نفسه.
([195]) الأمالي، الشيخ الصدوق، ص116، ح99/ 9.
([196]) ثواب الاعمال، الشيخ الصدوق، ص131
([197]) بحار الانوار، ج1، ص164، ح2، كتاب العلم، ب1 (فرض العلم، ووجوب طلبه، والحث عليه، وثواب العالم والمتعلم).
([198]) بصائر الدرجات، محمد بن الحسن الصفار، ص31، ح1، نادر من الباب وهو منه (ان العلماء هم آل محمد(صلي الله عليه و آله و سلم)).
([199]) المصدر نفسه.
([200]) الكافي، ج1، ص32، ح2، باب صفة العلم وفضله وفضل العلماء.
([201]) بحار الانوار، ج2، ص92، ح21، كتاب العلم، ب14 (من يجوز أخذ العلم منه ومن لا يجوز، وذم التقليد والنهى عن متابعة غير المعصوم في كل ما يقول، ووجوب التمسك بعروة اتباعهم:، وجواز الرجوع إلى رواة الاخبار والفقهاء الصالحين).
([202]) انظر: الشّيعة وأهل البيت، إحسان إلهي ظهير، صص85 و86.
([203]) الخصال، الشيخ الصدوق، ص77، ح123، نحل النبي(صلي الله عليه و آله و سلم) الحسن والحسين8 خصلتين.
([204]) المصدر نفسه.
([205]) الخصال، الشيخ الصدوق، صص 77 و 78، ح124، نحل النبي(صلي الله عليه و آله و سلم) الحسن والحسين8 خصلتين.
([206]) بصائر الدرجات، محمد بن الحسن الصفار، ص31، ح3، نادر من الباب وهو منه (إنّ العلماء هم آل محمد:).
([207]) من لا يحضره الفقيه، ج4، ص387، باب النوادر.
([208]) مريم: 6.
([209]) النمل: 16.
([210]) النساء: 11.
([211]) الانفال: 75.
([212]) النحل: 44.